وجهة نظرمثقف : تموت روحي بموت الفلسفة

خبر منقول من “الوطن” الكويتية

كتب مطيران الشامان

 

مشاريع جديدة تدرسها اللجنة
العليا للعمل على استكمال تطبيق احكام الشريعة الاسلامية تمهيداً لرفعها الى سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد.. ومن بين ذلك »إعادة النظر في تدريس الفلسفة في الثانوية«، و»تحديد الضوابط الإسلامية لمادة التربية البدنية«،

وترى اللجنة أن »مقرر الفلسفة في الثانوية العامة يشتمل على مخالفات شرعية.. والافضل الاتفاق على اختيار بديل مناسب يراعي مستوى الطالب في هذه المرحلة التي تحتاج الى تثبيت العقيدة وليس زعزعتها أسوة بما في النظام التربوي لبعض الدول العربية مثل مصر التي ألغت بقرار وزاري مادة الفلسفة من قائمة المواد الاجبارية ونقلها الى الاختياري فضلا عن ان السعودية وقطر لا تدرسان مثل هذه المواد«.

 تموت روحي بموت الفلسفة

لمى فريد العثمان

الاثنين 18 آب (أغسطس) 2008

هكذا هو منطق المتعصّبين … لا يتّعظون ولا يعون أن الفلسفة هي أهم قيم التقدم، لأنها تعتمد في منهجها على حرية التفكير النقدي، وتكسب الإنسان سعة الأفق، وتغرس فيه احترام الآراء وتقبّل التنوع والاختلاف وتعزّز فيه قيم التسامح.

بدأت هزيمتنا الفكرية والثقافية والحضارية قبل ثمانمئة سنة تقريبا، حين حُرقت كتب ابن رشد وانتصر الفكر التكفيري انتصارا ساحقا على فكر «فيلسوف قرطبة»، ذلك الفيلسوف المستنير الذي اعتمد على العقل منهاجا وعلى الحرية طريقا، محاربا من خلالهما تخلف الفكر وظلام الاستبداد.

وبينما ساهم فكر ابن رشد في إحياء دور العقل في أوروبا، مات العقل في شرقنا بموته، فمن سخرية القدر أن فكره مهد لعصر النهضة في أوروبا واستفاد منه الغرب أيّما استفادة، وقد قال المستشرق الإسباني ميغيل هرنانديز عنه إنه: «سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة».‏

فشروح ابن رشد لفكر الفيلسوف الشهير أرسطو، الذي أضاف إليها، أثرت تأثيرا بالغا في صياغة الفكر الأوروبي الذي نقل الأوربيين من عصور الجهل والظلام إلى عصر النهضة والأنوار الذي لايزالون ينعمون بخيراته، أما نحن فلانزال نتباكى على مجدنا الضائع، ولانزال نفاخر بكل غرور أن فيلسوفنا العربي المسلم كان سببا في نهضة أوروبا، متجاهلين فشلنا الذريع في استيعاب ما أتى به حين نبذنا فكره وكرهنا عقلانيته وكفّرنا فلسفته.

وعلى الرغم من تكفير كثير من الفقهاء التعامل مع الفلسفة والأخذ بها، فإن ابن رشد نجح في فلسفته في التوفيق بين الدين والفلسفة ودحض الادعاء بأن الفلسفة تتناقض مع الدين، وأنكر مقولة «من تمنطق فقد تزندق»، فقد رأى أن العقيدة تُبنى على العقل «فكلما عرفنا الموجودات معرفة أتم تكون معرفتنا بصانعها أتم».

كما أكد ابن رشد أهمية القياس العقلي وأسّس لدراسة المنطق من خلال الأدلة الدينية التي تدعو إلى النظر والاعتبار والتفكر والرؤية، وأشار إلى أكثر من آية تدعو إلى التفكر والتفلسف مثل الآية الكريمة: «واعتبروا يا أولي الأبصار».

ودعا إلى تأويل المعاني الحرفية للنصوص إذا ما تناقضت مع العقل، بالإضافة إلى ذلك، شدد على ضرورة الاستفادة من إنجازات الأمم الأخرى والأخذ بمعارفها وفلسفتها، حتى إن كانت على غير ديننا أو من ثقافة غير ثقافتنا.

وعلى الرغم من قوة حجة ابن رشد وعقلانية طرحه، فإنه هُزم من قبل التكفيريين، الذين حاربهم ورفض تعصبهم وضيق عقليتهم وجمود فكرهم ووصفهم «بالمقلدين»، فاضطهدوه وحاكموه وسجنوه وصادروا كتبه وأحرقوها.

في الواقع، يذكرني سعي لجنة استكمال تطبيق الشريعة في الكويت إلى إلغاء مادة الفلسفة بتلك المظاهر التاريخية، التي تتكرر، في شرقنا، مهما طال الزمان، من مصادرة واضطهاد وتكفير، وهكذا هو منطق المتعصبين… لا يتعظون ولا يعون أن الفلسفة هي أهم قيم التقدم، لأنها تعتمد في منهجها على حرية التفكير النقدي، وتكسب الإنسان سعة الأفق، وتغرس فيه احترام الآراء وتقبل التنوع والاختلاف وتعزز فيه قيم التسامح.

نحرِّم الفلسفة، وهي أساس العلم، ونجرِّم النقد، وهو أداة بناء المجتمعات المتقدمة، ونضطهد المختلف ونتعصب في أفكارنا وننبذ الرأي الآخر ونلعن الفكر العقلاني، ومن ثم نتساءل لماذا نتأخر ويتقدم غيرنا؟ أو ما هو سبب هيمنة الفكر الأصولي الإرهابي؟ «تموت روحي بموت الفلسفة»… قالها ابن رشد وكأنه يصف حال هذه الأمة.

lalothman@yahoo.com

Leave a Reply