في اللاعنف … كتابات وأقوال للمهاتما غاندي

المهاتما غاندي

ترجمة: أكرم أنطاكي
مأخوذة عن موقع ” معابر “

من إنجيل اللاعنف

لست صاحب رؤيا. وما بوسعي أن أقوله عن نفسي هو أني شخص مثالي عملي. الذين يقصدهم دين اللاعنف ليسوا القديسين أو الريشي بل عامة الناس أيضًا؛ فاللاعنف شريعة جنسنا بينما العنف شريعة البهائم، وشريعة الروح الغافية في قلب العنيف الذي لا يعرف سوى قانون القدرة الجسدية. لكن كرامة الإنسان تتطلب الطاعة لقانون أسمى هو قوة الروح. لذلك أنا أعتقد أن الريشي الذين، من قلب العنف، اكتشفوا اللاعنف كانوا أكثر نبوغًا من نيوتن. لقد كانوا يعرفون كيف يستعملون السلاح، وخبروا عدم جدواه، وعلَّموا عالمًا يطمح إلى السلام أن طريق خلاصه ليس العنف بل اللاعنف.

(الهند الفتاة، 11-8-1920، ص3)

***

تعلمت درس اللاعنف من زوجتي، وذلك حين حاولت إخضاعها لإرادتي. إلا أن مقاومها الحازمة لرغبتي من جهة، وخضوعها الهادىء للألم الذي تسبب به غبائي من جهة أخرى، جعلني أخجل جدًا من نفسي، وشفاني من غباء الاعتقاد بأني خلقت لأحكمها. وفي نهاية الأمر أصبحت هي معلمتي في اللاعنف.

(هاريجان، 24-12-1938، ص394)

***

اللاعنف هو شريعة الجنس البشري. وهو أكبر وأسمى بما لا يقاس من شريعة القوة الغاشمة. وفي نهاية المطاف، هو لا يليق بأولئك الذين لا يملكون إيمانًا حيًا بألوهية المحبة.

يؤمِّن اللاعنف حماية كاملة لاحترام المرء ذاتَه، ويعطيه شعورًا بالكرامة، وإن ليس دائمًا فيما يتعلق بملكية الأرض أو بالملكية المنقولة، لكن التجربة العملية تقول إنَّ اللاعنف يؤمِّن درعًا أفضل لحمايتها مما يؤمِّنه رجال مسلحون. اللاعنف هو الطبيعة الفعلية للأشياء، وإن كان لا يفيد في الدفاع عن المكتسبات غير المشروعة، والأفعال غير الأخلاقية. لذا يجب على الأفراد أو الأمم الذين يطبقون اللاعنف أن يكونوا مستعدين للتضحية بكل شيء (حتى آخر رجل بالنسبة للأمم) ما عدا التضحية بشرفهم.

واللاعنف قوة يمكن أن يستخدمها الأطفال والشباب والنساء والبالغين، شريطة أن يمتلكوا إيمانًا حيًا بألوهة المحبة، وحبًا متساويًا للجنس البشري. لذلك، عندما نقبل باللاعنف كقانون للحياة فمن الواجب أن يشمل هذا القانون الكائن بكليته، لا أن يكون مجرد أفعالاً منعزلة. ومن الخطأ الكبير الاعتقاد بأنَّ القانون يصحُّ على الأفراد، ولا يصحُّ على الجنس البشري ككل.

(هاريجان، 5-9-1936، ص236)

***

وحده اللاعنف قانوني. فالعنف ليس بوسعه أن يكون قانونيًا بالمعنى الذي أقصده هنا. أي بتعبير آخر، ليس بوسع العنف أن يكون قانونيًا وفقًا لقانون وضعه الإنسان بل وفق القانون الذي صنعته الطبيعة للإنسان.

(هاريجان، 27-10-1946، ص369)

***

فعل اللاعنف ليس مساويًا، في الحقيقة، لفعل العنف، بل يفعل فعله بطريقة عكسية. إذ يعتمد الشخص المسلح عادة على سلاحه، أمَّا من يرفض السلاح عن قصد فإنه يستند إلى تلك القوة غير المرئية التي يدعوها الشعراء الألوهة، ويسمِّيها العلماء “القوة المجهولة”. لكن كون تلك القوة مجهولة لا يعني أنها غير موجودة؛ فالألوهة هي أساس كل القوى المعروفة منها والمجهولة. واللاعنف الذي لا يستمد قوته من الألوهة فقير ويجب إلقاءه للتراب.

(هاريجان، 28-6-1942، ص201)

***

الدعوة إلى اللاعنف موجودة لدى كلِّ الديانات، لكني أعتقد باعتزاز أن الهند – ربما – هي التي، من خلال تجربتها، حوَّلت هذه الدعوة إلى علم. لقد ضحَّى عدد لا يحصى من القديسين بحياتهم في التكفير عن خطاياهم (تاباشرايا بالسنسكريتية) حتى أحسَّ الشعراء أن بوسع جبال الهيملايا ببياضها الناصع أن تطهر من خلال تلك التضحيات. لكن كل ممارسة اللاعنف تلك أضحت شبه منسية اليوم، لذا من الضروري إعادة إحياء القانون الأزلي الذي يردُّ على الغضب بالحب، وعلى العنف باللاعنف؛ ففي أرض أفضل من هذه التي هي أرض جاناكا وراماشاندرا، يمكن أن يُطبَّق هذا القانون؟

(هاريجان، 30-3-1947، ص86)

***

يقول لي بعض أصدقائي المسلمين إنهم لن يقبلوا البتة المفهوم المطلق للاعنف. فبالنسبة لهم، على حدِّ زعمهم، للاعنف نفس مشروعية العنف، واستعمال كليهما يخضع للظروف، ما يعني أن كليهما لا يحتاج إلى فتوى لتبرير مشروعيتهما، وأنَّ هذا درب معروف مرت به الإنسانية على مر العصور. لكني سمعت من العديد من أصدقائي المسلمين أن القرآن يبشر باللاعنف؛ فهو يعتبر الصبر أسمى من الانتقام، وكلمة إسلام بحد ذاتها تعني السلام الذي هو اللاعنف. بادشاه خان، الذي هو مسلم عن قناعة ولم يفرِّط يومًا لا بصلاة ولا بصيام، قَبِل باللاعنف عقيدةً. وليست حجةًً أن نقول إن حياته لم تكن على مستوى ما آمن به، حتى وإني – يا لخجلتي – لم أفعل مثله في حياتي. والحجة التي تقول بأنَّ اللاعنف، بالنسبة للقرآن، هو قضية تأويل، لستُ في حاجةٍ إليها في دعوتي.

(هاريجان، 7-10-1939، ص296)

***

يتجاوز حبي للاعنف حبي لأي شيء آخر دنيوي، أو يتجاوز هذه الدنيا، لأنه يعادل حبي للحقيقة التي هي بالنسبة لي رديفُ اللاعنف الذي بوسعي عن طريقه فقط بلوغ الحقيقة.

(الهند الفتاة، 20-2-1930، ص61)

***

إذا كان المرء متفاخرًا وأنانيًا، فليس بوسعه ممارسة اللاعنف. فاللاعنف مستحيل من دون تواضع. لقد علمتني تجربتي الذاتية، أني حين كنت أتصرف بشكل لاعنفي، كان منطلقي وسندي دوافع أسمى مستمدَّة من قوة غير مرئية، لأنه لو كان عليَّ الاعتماد فقط على إرادتي الذاتية لفشلت بشكل ذريع. عندما كان علي الذهاب إلى السجن للمرة الأولى كنت أرتجف من هذا الاحتمال؛ فقد سمعت أشياءَ مرعبة عن حياة السجن. لكني كنت أؤمن بالعناية الإلهية. وقد علمتنا تجربتنا أنَّ الذين يذهبون إلى السجن بروح من الورع يخرجون منتصرين، في حين يفشل أولئك الذين يعتمدون على قوتهم الذاتية. ولا مجال هنا للشفقة على الذات، حتى وإن كنت تقول إن الله يعطينا القوة؛ فالإشفاق على الذات يأتي حين تفعل شيئًا تنتظر من أجله اعترافًا من الآخرين. وهنا لا مكان لاعترافٍ كهذا.

(هاريجان، 28-1-1939، ص442)

***

قوة اللاعنف

أقرُّ بأنَّ القوي يسرق الضعيف، وأن من الجريمة أن نكون ضعفاء. لكن هذا ينطبق على روح الإنسان، وليس على جسده، لأنه لو كان المقصود هو الجسد لما كان بوسعنا أبدًا التخلص من خطيئة أن نكون ضعفاء، أمَّا قوة الروح فبوسعها أن تتحدى عالمًا مدججًا بالسلاح بكامله. وهذه القوة متاحة لأضعف الخلق أجسادًا.

(الهند الفتاة، 6-5-1926، ص164)

***

اللاعنف هو أكبر قوة في متناول الجنس البشري. إنه أقوى من أقوى سلاح تدمير اخترعه البشر. فالدمار ليس قانون البشر. والإنسان يحيا حرًّا ومستعدًا للموت حتى على يد شقيقه، إن اقتضت الحاجة، ولكنه ليس مستعدًا البتة أن يقتله هو. لأن أي قتل أو أي ضرر يرتكب بحق الآخر أو يمارس عليه، مهما كان سببه، جريمة بحق الإنسانية.

(هاريجان، 20-7-1935، ص ص180 و181)

***

أقسى المعادن يلين حين يتعرَّض لما يكفي من الحرارة. ولكن أقسى القلوب يذوب حتى قبل تعرُّضه لما يكفي من حرارة اللاعنف. ولا حد لقدرة اللاعنف على توليد الحرارة.

كل فعل هو محصلة قوى عديدة، والتي يمكن أن تكون مختلفة في طبيعتها. لا ضياعَ للطاقة؛ فهذا ما علمتنا إياه كتب الميكانيك. وهذا ينطبق أيضًا على الأفعال الإنسانية، مع ذاك الفرق الذي يقول بأنه إذا كان بوسعنا بشكل عام معرفة القوى الفيزيائية الفاعلة نستطيع، حينئذٍ، التنبؤ رياضيًا بالمحصلة. إذ في حال الأفعال الإنسانية، الناجمة عن تضارب قوى لا علم لنا بها ليس بوسعنا ذلك. لكن جهلنا هذا يجب ألا يقودنا إلى فقدان الإيمان بمقدرة هذه القوى بل يجب أن يدفعنا إلى المزيد من الإيمان. واللاعنف بحكم كونه أقوى قوة في العالم، وأكثرها مراوغة في فعلها، يتطلب أكبر تدرب على الإيمان. فكما نؤمن بالله، يجب علينا الإيمان باللاعنف.

(هاريجان، 7-1-1939، ص417)

***

وحده اللاعنف يستطيع مواجهة العنف بفعالية. هذه حقيقة قديمة ومثبتة. إن سلاح العنف، حتى وإن كان قنبلةً ذرية، يصبح بلا فائدة حين يصطدم باللاعنف. صحيح أن القليلين فقط يعرفون كيفية تطويع هذه القوة لأنها تتطلب الكثير من الفهم ومن الذكاء؛ فهي ليست ما تتطلبه المدارس العسكرية والمعاهد. والصعوبة التي يجدها المرء حين يجمع ما بين الهيمسا والأهيمسا مردُّه قلَّة الذكاء.

(هاريجان، 1-6-1947، ص172)

***

“اكره الخطيئة لكن لا تكره الخاطىء” – هذا كلام مفهوم، وعلى الرغم من سهولة فهمه نادرًا ما يطبق. لهذا السبب ينتشر سُمُّ الحقد في عالمنا.

الأهيمسا هي أساس البحث عن الحقيقة. ويزداد يقيني كل يوم من عدم جدوى هذا البحث ما لم تكن الأهيمسا قاعدته، لأنه إن كان صحيحًا جدًا مقاومة ومهاجمة نظام، فإن مقاومة ومهاجمة صاحبه يساوي مقاومة الذات ومهاجمتها. فجميعنا رسمتنا الفرشاة نفسها، وجميعنا أبناء الخالق نفسه، ما يعني أن القوى الإلهية التي في داخلنا لامتناهية. والاستخفاف بكائن بشري واحد يعادل الاستخفاف بهذه القوى الإلهية، ويعني بالتالي الإساءة ليس فقط إلى هذا الكائن إنما إلى العالم بأسره.

(سيرة ذاتية أو قصة تجاربي مع الحقيقة، ص203)

***

التدرُّب على اللاعنف

«كيف يجب علينا تدريب الأفراد والمجتمعات على هذا الفنِّ الصعب؟»

لا يوجد هنا طريق ملكي، سوى أن نعيش عقيدتنا في هذه الحياة كالقسم الحي. وطبعًا، يتطلب التعبير عن هذا الأمر في حياتنا الخاصة، دراسة معمقة ومثابرة جبارة، وتطهير أنفسنا من كل الشوائب. فكما إن تملُّك العلوم الفيزيائية يتطلَّب أن تكرس لها حياتك بالكامل، فإن حيوات كثيرة سيتطلبها تملُّك أقوى القوى التي عرفها البشر. لكن، لماذا علينا أن نقلق إن كان هذا قد سيتطلب عدة حيوات؟ لأنه إن كان هذا هو الشيء الوحيد الدائم في هذه الحياة، إن كان هذا هو الشيء الوحيد الذي له معنى، عندها سيكون أي جهد تبذله استثمارًا جيدًا. فاطلب ملكوت السموات أولاً وكل ما تبقى سيأتيك بشكل طبيعي. وملكوت السموات هي الأهيمسا.

(هاريجان، 14-3-1936، ص39)

***

لا يتطلب اللاعنف أي تدريب خارجي أو جسدي، إنما يتطلب فقط الإرادة بعدم القتل حتى من باب المعاملة بالمثل، والشجاعة في مواجهة الموت من دون أية رغبة بالانتقام. وهذا ليس قسمًا للأهيمسا إنما مجرد منطق عقلي بارد وتطبيق لقانون كوني. لذلك، ومن منطلق الإيمان الذي لا ينطفىء بهذا القانون، علينا التدرب على مواجهة أي استفزاز مهما كان كبيرًا – هذا ما أسميه لاعنف الشجعان.

(هاريجان، 8-9-1946، ص296)

***

كيف يطبَّق اللاعنف

إنك تخطىء جدًا إذا لم تتدرب على ممارسة اللاعنف في علاقاتك الشخصية مع الآخرين، وترجو فقط استخدامه في القضايا الكبرى. فاللاعنف يشبه الرحمة التي يجب أن تبدأ من المنزل.

لكن، إذا كان من واجب المرء أن يتدرب على اللاعنف؛ فإن من الواجب بالأحرى أن تتدرب عليه الأمم. فالمرء ليس بوسعه أن يكون لاعنفيًا فقط ضمن نطاق حلقته الخاصة، وعنيفًا خارجها. وإلا فإنه ليس لاعنفيًا حقيقيًا حتى ضمن إطار حلقته الخاصة؛ فغالبًا ما يكون اللاعنف مجرَّد مظهر. لأنك فقط حين تلقى مقاومة، على سبيل المثال، حين يقتحم لص أو مجرم حياتك، يصبح لاعنفك على المحك. فقد تحاول أو قد تقوم بمواجهة اللص بنفس أسلحته، أو قد تحاول نزع سلاحه عن طريق المحبة. لذلك، إن كنت تعيش فقط بين أناس محترمين، فإن سلوكك لا يمكن أن يوصف باللاعنفي.

كذلك لا يعتبر التحمُّل المتبادل بين الأشخاص لاعنفًا. وسرعان ما ستتوصل إلى قناعة أن اللاعنف هو قانون الحياة، وأن عليك تطبيقه على الأمم كما على الأفراد. هنا يكون التدريب مهمًا بلا شك، وتكون البدايات صغيرة دومًا، لكن حين تتوفر القناعة فإن كل ما تبقى سيصبح محصلة حاصل.

(هاريجان، 28-1-1939، ص ص441 و442)

***

مارست اللاعنف وإمكاناته بدقَّة علمية ما يزيد على خمسين عامًا من حياتي. لقد طبقته في كل مجالات الحياة، عائليًا ومؤسساتيًا واقتصاديًا وسياسيًا. ولا أتذكر حالة فشل واحدة فيها. وحين بدا لي في بعض الحالات وكأنه فشل؛ فإن السبب في ذلك كانت نواقصي. لستُ أدَّعي الكمال لنفسي، لكني أؤكد أني أبحث بشغف عن الحقيقة التي هي الاسم الآخر للألوهة. وخلال بحثي هذا اكتشفت اللاعنف الذي أصبح نشره بالنسبة لي رسالتي في هذه الحياة، ولا مصلحة لي أن أستمر في هذه الحياة إن لم يكن من أجل هذه الرسالة.

(هاريجان، 6-7-1940، ص ص185 و186)

***

في المجتمع اللاعنفي

ليس بوسع اللاعنف، من حيث طبيعته، “الاستيلاء” على السلطة، ولا يمكن أن تكون هذه هي غايته، لكن بوسع اللاعنف أن يفعل ما هو أكثر من هذا. بوسعه أن يشرف ويراقب السلطة بفعالية دون أن يستولي على أجهزة الحكم. وهذا أجمل ما فيه.

يوجد طبعًا استثناء لما أقول. حين يكون عدم تعاون الشعب اللاعنفي كاملاً إلى درجة تتوقف فيها الإدارة عن العمل، أو حين تنهار الإدارة بسبب غزو أجنبي وما يتبعه من فراغ؛ فإنَّ بوسع ممثلي الشعب أن يتقدموا لملء هذا الفراغ. هذا أمر ممكن نظريًا.

لكن ممارسة السلطة لا تجعل العنف إلزاميًا. فالأب يمارس سلطته على أبنائه، وبوسعه حتى أن يعاقبهم لكن دون أن يستخدم العنف. فالممارسة الأكثر فعالية للسلطة هي تلك التي تتضمن أقل قدر من الإزعاج. والسلطة حين تمارس بشكل جيد يجب أن تكون لطيفة كالوردة، وأن لا يشعر بها أحد.

يقبل الشعب سلطة حزب المؤتمر بملء إرادته، وقد خُوِّلتُ أكثر من مرة سلطات ديكتاتورية مطلقة، لكن الكلَّ يعلم أنَّ سلطتي إنما كانت تستند إلى قبولهم، وأنَّ بوسعهم إزاحتي في اللحظة التي يشاؤون، وأني في مثل هذه الحال سأتنحى دون أن أنبس بكلمة.

يولد الأنبياء والرجال الخارقون مرَّة في الزمن، ولكن إذا حقق فرد واحد مبدأ الأهيمسا بكليته، فإن بوسعه أن يشمل ويفتدي المجتمع بأسره. فحين ارتقى يسوع إلى السماء، تمكَّن أتباعه الاثنا عشر من متابعة رسالته من دونه.

لقد اقتضى الأمر مثابرة وعبقرية أجيال من العلماء لاكتشاف قوانين الكهرباء، أما اليوم فقد أصبح حتى الأطفال يستخدمون الكهرباء في حياتهم اليومية. كذلك الأمر، ليست هناك حاجة دائمة لشخص مثالي من أجل إدارة دولة مثالية حين تواجدها. ما نحن بحاجة إليه يبدأ بمجرد تحقق يقظة اجتماعية، والباقي سيتبع.

لنأخذ مثالاً أقرب إلينا، حيث قُدِّمت للطبقة العاملة حقيقة أن رأس المال الحقيقي ليس من الفضة ولا من الذهب، إنما هو جهد أيديهم وأرجلهم وعقولهم. ما يعني أنه حين يطور العمل وعيًا كهذا، فلن تبقى حاجة لوجودي كي يصبح الناس قادرين على استخدام السلطة الناجمة عنه.

(نحو آفاق جديدة، ص ص91-93)

***

في الدولة اللاعنفية

لقد أصبحت مقتنعًا تمامًا بأنَّ الدولة، إن هي ألغت الرأسمالية عن طريق العنف، ستصبح أسيرة ذلك العنف، وستفشل دائمًا في تطوير حالة من اللاعنف. فالدولة تمثل العنف بشكله المركز والمنظم، ولمَّا كان للإنسان روح، بينما الدولة آلة لا روح لها، فإنه ليس من الممكن أبدًا تجريدها من العنف الذي هو مبرر وجودها. من هذا المنظور تراني أُفضِّل عقيدة الوصاية. ويبقى الخوف دائمًا من أنَّ بوسع الدولة استخدام الكثير من العنف تجاه الذين يخالفونها، لذلك سأكون سعيدًا جدًا لو كان بوسع الناس التصرف كمؤتمنين. وإن فشلوا في ذلك، فإني أعتقد أنَّ على الدولة تجريدهم من ممتلكاتهم بأقل قدر ممكن من العنف. لهذا قلت في مؤتمر المائدة المستديرة إنه يجب تقصي كل فائدة منوطة بعناية، وأنه يجب الأمر بالمصادرة حين تقتضي الضروة ذلك، مع أو بلا تعويض، حسب الحالة.

وما أفضله شخصيًا ليس تركيز السلطة بيد الدولة، بل توسيع الإحساس بالمشاركة. لأنَّ عنف المؤسسات الخاصة، من وجهة نظري، أقل ضررًا من عنف الدولة. وفي كل الأحوال، إن لم يكن هناك مناص من الأمر، فإني أؤيد حدًّا أدنى من ملكية الدولة.

وبينما أقبل أن الإنسان يعيش حاليًا من منطلق عاداته، فإني أعتقد أنَّ من الأفضل له أن يعيش ممارسًا إرادته. وأعتقد أيضًا أن بوسع البشر تطوير إرادتهم بحيث يحدُّون من الاستغلال إلى الحدِّ الأقصى. وأنا أنظر بمنتهى الخوف إلى زيادة سلطة الدولة، لأنها، وإن بدا أنها تفعل خيرًا من خلال التخفيف من الاستغلال، تلحق أكبر الضرر حين تُدمِّر الفردانية، التي هي جذر كل تقدم.

إننا نعرف حالات كثيرة تبنَّت الدولة فيها الوصاية، ولكننا لا نعرف حالة واحدة كانت الدولة فيها فعلاً لصالح الفقير.

(المجلة الحديثة، أوكتوبر 1935، ص412)

***

العنف والإرهاب

علمتني تجربتي أنَّ نشر الحقيقة غير ممكن عن طريق العنف. لذلك فإن الذين يؤمنون بعدالة قضيتهم بحاجة لأن يتمتعوا بصبر غير محدود. فوحدهم المخوَّلين للقيام بعصيان مدني هم أولئك الذين يترفَّعون عن ارتكاب عصيان إجرامي، أو عن ممارسة العنف.

(الهند الفتاة، 28-4-1920، ص8)

***

أعارضُ العنف لأنه، حيث يبدو وكأنه يفعل خيرًا، فإن ما يفعله من خير هو مؤقت فقط؛ أما ما يفعله من شر فهو دائم.

(الهند الفتاة، 21-5-1925، ص178)

***

لا أؤمن بالثورات المسلحة لأنها علاج أسوأ من ذلك المرض التي تعتقد أنها تداويه، ولأنها نتاج روح الثأر والتسرُّع والغضب. وهذا يعني أنَّ طريق العنف لا يمكن أن يكون جيدًا على المدى الطويل.

(الهند الفتاة، 9-6-1920، ص3)

***

… الموت الإرادي جوعًا ببطء وبلا تمجيد بين الجماهير الجائعة هو دائمًا أكثر بطولة من الموت على المتراس في ظلِّ تصعيدٍ عاطفي كاذب.

(الهند الفتاة، 12-2-1925، ص60)

***

أكرهُ الجبن سواء أكان فلسفيًا أم اتخذ أي شكل آخر. ولو كان بوسعي الاقتناع بأن النشاط الثوري يبدِّد الجبن، لأدى هذا إلى تخفيف كرهي لطريقته إلى حد كبير، رغم أني سأبقى معارضًا له من حيث المبدأ. وفي كلِّ الأحوال، لا أعتقد بأي شكل أن القتل أو الاغتيال أو الإرهاب شيء جيد، لكني أعتقد أن الأفكار تستوي حين تغذيها دماء الضحايا. لكن الإنسان الذي يموت ببطء من الحمى وسط الغابة ينزف حتمًا بمقدار ذلك الذي يشنق. وإذا لم يكن ذلك الذي يموت على المشنقة بريئًا من دم الآخر، فإنه لم يمتلك حتمًا أفكارًا جديرة بأن تنضج.

***

صُبِغت صفحات التاريخ باللون الأحمر لدم أولئك الذين قاتلوا في سبيل الحرية؛ فأنا لا أعرف مثالاً نالت فيه الأمم حريتها من دون بذل جهد كبير لذلك، حيث استخدمت، حتى تاريخه من أجل هذا، سكين القاتل وكأس السم ورصاصة القناص والحربة – وكل أسلحة وطرائق الدمار – من قبلال عشاق عميٍ للحرية وللتحرر… أنا لا أحمل أية ضغينة تجاه الإرهابيين.

(الهند الفتاة، 24-12-1931، ص408)

***

لو كان علي أن أختار…

أعتقد أني لو خيرت بين الجبن وبين العنف، لاخترت العنف. فأنا أُفضِّل أن تلجأ الهند إلى السلاح دفاعًا عن شرفها على أن تبقى أو أن تكون، بطريقة جبانة، شاهدة على عارها. لكني أعتقد أنَّ اللاعنف أرقى من العنف بما لا يقاس، وأنَّ المغفرة أكثر رجولة من العقاب. فالمغفرة تزين الجندي. والامتناع مغفرة حين تمتلك المقدرة على العقاب؛ وبلا معنى له حين يأتي من كائن لا حول له. ولا أعتقد أنَّ الهند لا حول لها. ولا أعتقد أني كذلك أيضًا. لأنَّ القوة لا تأتي من المقدرة الجسدية بل من الإرادة التي لا تقهر.

(الهند الفتاة، 11-8-1920، ص3)

***

أريد أن يتعلم الهنود والمسلمون معًا الشجاعة الهادئة لأن نموت دون أن نَقتُل. لكن، إن لم يمتلك المرء هذه الشجاعة، فإني أريده أن يتعلم فن أن يقتُل وأن يُقتل، من أن يهرب من الخطر كالجبان، لأن الهارب، على الرغم من هربه، ارتكب الأذية في ذهنه، فقد هرب لأنه لم تكن لديه شجاعة مواجهة الموت أثناء القتال.

(الهند الفتاة، 20-10-1921، ص335)

***

ليس مهمًا أن يكون المرء ضعيفًا في جسده، لأنه إذا كان من العار أن يهرب، فإنه سيتشبث بأرضه ويموت في موقعه. وهذا فعل لاعنف وشجاعة. لا يهم هنا أن يكون جسمه ضعيفًا لأنه سيستخدم كل ما يملك من قوة لإلحاق الأذى بخصمه، وسيموت وهو يحاول ذلك. هذه تدعى شجاعة، لكنها ليست لاعنف. أما حين يكون من واجبه مواجهة المخاطر ويهرب، فإن موقفه يُعدُّ جبنًا. في الحالة الأولى يحصل المرء على المحبة أو الصدقة، أما في الحالتين الثانية والثالثة فإنه سيحصل على الاستنكار أو عدم الثقة أو الخوف.

(هاريجان، 17-8-1935، ص211)

***

يُعدُّ هرب الإنسان من الخطر وعدم مواجهته، تنكُّرًا لإيمانه بالله وحتى بذاته. لأن الأفضل للمرء أن يغرق نفسه من أن يعيش معلنًا إفلاس ما يؤمن به.

(هاريجان، 24-11-1946، ص410)

***

لقد كررت مرارًا وتكرارًا أنَّ من ليس بوسعه حماية نفسه أو أقرب وأعز الناس إليه، أو حماية شرفهم ومواجهة الموت من دون عنف، يمكن ويستطيع أن يفعل هذا عن طريق التعامل عن طريق العنف ضد المضَّطهد. أما من ليس بوسعه أن يفعل لا هذا ولا ذاك فإنه يشكل عبًا، لأنه ليس لديه ما يؤهله لأن يكون رأسًا لعائلة، ولأنَّ عليه إمَّا أن يختبىء وإمَّا أن يرضى بالعيش إلى ما لا نهاية بلا حول، وهو مستعد دومًا للزحف كدودة لتلقي عطاءات المستبد.

(الهند الفتاة، 11-10-1928، ص342)

***

لا يمكن تلقين اللاعنف لشخصٍ يخشى الموت، ولا يملك القدرة على المقاومة؛ فالفأر الذي لا حول له ليس لاعنفيًا لأنه يهرب دائمًا من القط، فهو كان سيأكله بسرور لو كان بوسعه ذلك، لكنه يحاول دائمًا الهرب منها. نحن لا ندعوه جبانًا لأنه يقدِّم أفضل ما بوسعه ممَّا زودته به الطبيعة. لكن الإنسان الذي حين يواجه الخطر فيتصرف كفأر تصحُّ تسميته بالجبان؛ ففي قلبه يكمن عنفٌ وحقدٌ يمكن أن يدفعاه إلى قتل خصمه دون أن يؤذي نفسه لو استطاع إلى ذلك سبيلاً. لأنه اللاعنف غريب عليه، ولا فائدة من تبشيره به؛ فالشجاعة ليست من طباعه، وعليه قبل أن يتعلَّم اللاعنف تعلُّم الصمود في مكانه، وأن يعرِّض نفسه للموت محاولاً الدفاع عن نفسه من مستبدٍّ يحاول سحقه. عدم قيامه بهذا يؤكِّد عنفه، ويدفعه بعيدًا عن اللاعنف.

وبينما لا أبدو الآن وكأني أحاول المساعدة على الرد، فإنَّ من واجبي أنْ لا أسمح لجبانٍ بأن يختبىء خلف اللاعنف؛ فالكثيرين، ولأنهم لم يعرفوا طبيعة العنف، يعتقدون، بكل نزاهة، أنَّ الهرب من دون مقاومة فضيلة، وخاصةً حين يكون محفوفًا بخطر التعرُّض للموت. وأنا، كمعلِّم للاعنف، عليَّ وقدر المستطاع التحذير من اعتقاد جبان كهذا.

(هاريجان، 20-7-1935، ص ص180 و191)

***

مقاومة العدوان

يجب عليَّ أن أعيش، ومن أجل هذا لن أكون تابعًا لأية أمة ولا لأي شخص. عليَّ أن أكون مستقلاً بالمطلق أو أن أفنى. تمني الموت في صدام مسلح مجرَّد تبجح، لكن الأمر مختلف حين أتحدى جبروت من يحاول حرماني من استقلالي، لذا أرفض الانصياع لإرادته، وأقدِّم حياتي من دون سلاح وأنا أحاول ذلك. لأني بهذا، وإن خسرت جسدي، أكون قد ربحت روحي، أي كرامتي.

(هاريجان، 15-10-1938، ص290)

***

الديموقراطي الحقيقي هو الذي يدافع عن حريته، وبالتالي عن حرية بلده، وفي النهاية عن كل الجنس البشري، لكن بوسائل غير عنفية؛ فوجوب المقاومة يزداد فقط عند أولئك الذين يؤمنون باللاعنف عقيدة، وليس عند من يحسبون ثم يزنون ميزات كل حالة، ثم يقررون أن يؤيدوا أو يعارضوا حربًا معينة. وهذا يعني أن مقاومة كهذه هي قضية شخصية لأن كل شخص بمفرده عليه أن يقرر بوحي من ذلك الصوت الذي في قلبه، إن كان يؤمن بوجوده.

(هاريجان، 15-4-1939، ص80)

***

الردُّ على الوحشية بوحشية إقرارٌ بإفلاسنا الأخلاقي والفكري، ويمكن لهذا أن يكون بداية حلقة مفرغة…

(هاريجان، 1-6-1947، ص174)

***

إنَّ تقديم حياتك دون أن تقتل يتطلب أكثر بطولة (من تقديم حياتك أثناء القتال)، حيث لا شيء رائع البتة في فعل أن نَقتُل أو نُقتَل خلال عملية معينة. أمَّا الشخص الذي يقدم عنقه لعدوه لكي يعدمه، ويرفض في الوقت نفسه الخضوع لإرادته، فإنه يبدي شجاعةً من نوع أسمى.

(هاريجان، 21-4-1946، ص95)

***

الأهيمسا (بمعنى اللاعنف أو اللاأذية) من أسمى مبادىء العالم، وما من قوة على هذه الأرض تستطيع اجتثاثها. فهي تُمكِّن الآلاف من أمثالي من تقديم حياتهم في محاولة للدفاع عن مبادئها، وهي بحدِّ ذاتها لا تموت، بل ينتشر إنجيلها بين المؤمنين الذين يُقدِّمون حياتهم من أجل القضية.

(هاريجان، 17-5-1946، ص140)

***

في الوقت الذي يمكن فيه اعتبار كل عنف سيئ من الناحية النظرية فإنه من المسموح، لا بل من الواجب، بالنسبة للمؤمن الحقيقي بالأهيمسا أن يميز بين المعتدي وبين المدافع عن نفسه. وهو بعمله هذا، سيقف إلى جانب المدافع عن نفسه لكن بطريقة لاعنفية، بمعنى أنه سيقدم حياته من أجل إنقاذه. وسيساهم تدخله، في هذه الحالة، في تسريع إنهاء الصراع، ما يمكن أن تكون نتيجته إحلال السلام بين المتقاتلين.

(هاريجان، 21-10-1939، ص309)

***

إن كانت الحرب خطأ بحدِّ ذاته، فكيف بالإمكان تأييدها أخلاقيًا ومباركتها؟ أنا أؤمن بأنَّ كلَّ الحروب سيئة بالمطلق. لكن، إن تمعنا في نوايا الطرفين المتقاتلين، فقد نجد أنَّ أحد هذين الطرفين محق وأن الآخر مخطىء. مثلاً، إن أراد الطرف (أ) السيطرة على بلد الطرف (ب) فمن الواضح أن الطرف (ب) ليس الطرف المخطىء. أجل! إنَّ كلا الطرفين يقاتل مستعملاً السلاح. وأنا لا أؤمن بالحرب العنيفة، لكن الطرف (ب) صاحب القضية العادلة يستحق كل مساندتي وتأييدي.

(هاريجان، 18-8-1940، ص252)

***

أعترف بأنَّ من حق الأمة – إن شاءت – أن تسعى لحريتها حتى عن طريق العنف الذي يسود حاليًا. لكن في هذه الحال، لن تبقى الهند تلك الأرض التي أحبها، وإن كانت مسقط رأسي، تمامًا كما لن أشعر بالفخر إذا ما ضلَّت والدتي الطريق.

(الهند الفتاة، 20-11-1924، ص382)

***

[…] حين أطلقت “ساتياغراها” لأول مرة، لم يكن إلى جانبي أي رفيق. كنا ثلاثة عشر ألف رجل وامرأة وطفل مقابل أمة بكاملها، أمة كان بوسعها سحقنا بالكامل. لم أكن أعرف من سيستمع إلي، لكن كل شيء حدث فجأة وخلال ومضة. لم يقاتل الـ 13000 كلهم، وتراجع العديد منهم، لكننا أنقذنا شرف الأمة. وعن طريق ساتياغراها في جنوب إفريقيا، بدأت كتابة تاريخ جديد…

ستتحقق غايتي إن تمكنت من ولوج قلوب أولئك الرجال بحيث أجعلهم يرون أنَّ لاعنفهم، إذا لم يجعلهم أشجع ممن تملَّك السلاح واستعمله، فإن عليهم التخلي عن اللاعنف الذي سيصبح حينئذٍ اسمًا جديدًا للجبن، ما يعني استعادة سلاحهم الذي لا يمنعهم شيء عن استعادته إلا رغبتهم الخاصة.

لأنَّ ما أقدمه من سلاح ليس للضعيف إنما للقوي. وما من شجاعة أكبر من رفض الركوع أمام أية سلطة أرضية، أيًا كانت قوتها، وهذا ليس ممكنًا من دون القوة الجبارة للروح والإيمان المطلق بأن الروح وحدها ستحيا، وليس أي شيء آخر.

(هاريجان، 15-10-1938، ص ص290 و291)

***

مهما بلغت ضآلة الأمة أو المجموعة، فبوسعها، شريطة امتلاك العقل والرغبة والإرادة، الدفاع عن شرفها في وجه كل العالم المدجج بالسلاح. وهذا ما يصنع القوة التي لا تضارع ويصنع جمال الأعزل من السلاح. لأن هذا هو الدفاع اللاعنفي الذي لا يعرف الهزيمة ولا يقبلها أبدًا. لذا فإن الأمة أو المجموعة التي جعلت من اللاعنف سياستها النهائية لا يمكن أن تُستَعبَد حتى وإن استعملت ضدها القنبلة الذرية.

(هاريجان، 18-8-1946، ص265)

***

منعني إيماني بالأهيمسا من عدم إعطاء كل ذي حق حقه، حتى وإن كان يؤمن بالعنف. لذا، ورغم أني لا أشارك سوباش بوزي في إيمانه بالعنف وما يستتبعه من فعل، فإني لم أتردد في مساندة وطنيته ودهائه وشجاعته. وأيضًا، رغم أني لا أوافق على استخدام حكومة الاتحاد السلاح لمساعدة الكشميريين، ورغم عدم قدرتي على الموافقة على لجوء الشيخ عبد الله إلى السلاح، ليس بوسعي أن أخفي إعجابي بسلوكهم الذكي الذي يستحق الإطراء، خاصةً إن كان كل من العسكر أو المدافعين الكشميريين يقدمون حياتهم من أجل إنسان. لأني أعرف أنَّ بمقدورهم، إذا كان بوسعهم التصرف على هذا النحو، تغيير وجه الهند ربما. لكن لو كان الدفاع لاعنفيًا بالكامل كمقصد وكفعل، لما استعملت تعبير “ربما”، لأني في هذه الحال، سأكون متأكدًا من أنَّ وجه الهند سيتغير إلى حد إقناع أولئك المدافعون عن وجهة نظر حكومة الاتحاد، وحتى عن وجهة نظر الحكومة الباكستانية. والطريقة اللاعنفية، التي أقترحها، تكون بعدم مساندة المدافعين بالسلاح؛ فالهند يمكنها تقديم المساندة اللاعنفية من دون تحفظ. أما المدافعون، سواء تلقوا دعمًا كهذا أم لم يتلقوه، فسيكون بمقدورهم مواجهة قوة الغزاة، وحتى قوة جيش منظم يفوقهم عددًا. لأنَّ المدافعين الذين سيموتون في الموقع الذي يُلزمهم الواجب بالدفاع عنه، من دون أي حقد أو غضب في قلوبهم تجاه مهاجميهم، ومن دون استعمال أي سلاح ولا حتى قبضاتهم، سيقدمون عرضًا لبطولة لم يعرفها التاريخ بعد، ما سيُحوِّل كشمير إلى أرضٍ مقدَّسة يغطي أريجها ليس الهند فقط، بل العالم بأسره.

(هاريجان، 16-11-1947، ص413)

***

الخيار المطروح

لكن طريق السلام أصبح مفتوحًا بالنسبة لها (أي للهند)، واستقلالها صار مضمونًا إن تحلت بالصبر، وسيتم إثبات أن هذا الطريق هو الأقصر حتى ولو بدا أنه الأطول من منطلق طباعنا العجولة. وطريق السلام يؤمن التطور الداخلي والاستقرار، ونحن لا نقبله لأننا نتخيل أنه يعني الخضوع لإرادة حاكم فرض نفسه علينا. لكن بمجرد أن نتأكد من أن هذا الفرض هو مجرَّد ادعاء، وأننا من خلال رغبتنا عدم تحمُّل أيَّة خسارة في الأرواح أو الممتلكات، نتحمل جزءًا منه، وكل ما نحتاجه هو أن نغيِّر هذه الحالة السلبية من المساندة غير الإيجابية. فالخسارة التي سنتحملها بسبب هذا التغيير لا يمكن أن تقارن بالألم الجسدي وبالخسارة الأخلاقية التي يتوجب علينا دفعها إن اخترنا طريق الحرب، والآلام الناجمة عن اتِّباع طريق الحرب تؤذي كلا الطرفين، بينما الآلام الناجمة عن اتِّباع طريق السلام هي لصالح الطرفين. إنها شبيهة بالآلام السعيدة لعملية الولادة.

طريق السلام هو طريق الحقيقة. والصدق أكثر أهمية من المسالمة. وبالفعل، فإن الكذب هو السبب الأول للعنف؛ فالإنسان الصادق ليس بوسعه أن يبقى عنيفًا. وسيتأكد خلال مسار بحثه أنه لا يحتاج لأن يكون عنيفًا، وسيكتشف لاحقًا أنه طالما بقي أثر للحقيقة في داخله، فسوف يفشل في الوصول إلى الحقيقة التي يبحث عنها.

(الهند الفتاة، 20-5-1926، ص154)

***

إذا تمكنت الهند، من خلال تألُّق الحقيقة، أن تصبح على مستوى تلك العقيدة (أي اللاعنف وعدم الاعتماد على القوة الجسدية)، فما من قوة على الأرض بوسعها النظر إليها بنظرة شريرة. وستكون هذه مفخرة الهند، ومساهمتها في التقدم العالمي.

(هاريجان، 14-4-1946، ص90)

***

لقد أوصَلَنا لاعنفنا إلى بوابة الاستقلال؛ فهل سنتخلى عنه بمجرد عبورنا هذه البوابة؟ فيما يتعلق بي، أنا مقتنع بقوة أن لاعنف الشجعان – كما رجوتُ – يقدِّم لنا أكثر الوسائل أمانًا وفعاليةً لمواجهة العدوان الأجنبي والفوضى الداخلية، تمامًا كما ساعدنا على نيل استقلالنا.

ليس على الهند غير العنفية حقًا أن تخشى شيئًا من أية قوة خارجية، ولن تحاول طلب الأسطول البريطاني، ولا القوى الجوية البريطانية للدفاع عنها. لكني أعلم أننا لا نتمتع بلاعنف الشجعان بعد.

(هاريجان، 21-4-1946، ص95)

***

أصبحت الهند حرَّة الآن، والحقيقة واضحة تمامًا أمامي. والآن، وقد رُفِع عبء الإخضاع، يجب تعبئة كل القوى الخيِّرة في جهدٍ جبار لبناء بلدٍ تخلى عن طريقة العنف المعهودة لتسوية النزاعات بين البشر، وذلك سواء كانت هذه الخلافات بين دولتين، أو فئتين تنتميان للشعب ذاته. وعندي إيمان بأن الهند سترتقي إلى مستوى الحدث، وستثبت للعالم أنَّ ولادة دولتين جديدتين لن تشكِّل تهديدًا لأحد بل ستكون بَرَكة لباقي الإنسانية. ومن واجب الهند الحرة أن تُحَسِّنَ وسائل اللاعنف من أجل حلِّ النزاعات الجماعية، وخاصة إذا كانت الحرية هي الثمن.

(هاريجان، 31-8-1947، ص302)

***

الهند والطريق اللاعنفي

بوسع مقاومة سلبية كاللاعنف أن تغيِّر قلوب البشر…؛ فما الذي ينبغي عمله حتى يتحول السمُّ إلى بلسم؟ وهل هذا ممكن؟ أعرف أنَّ هذا ممكن، وأعتقد أني أعرف أيضًا الطريق من أجل ذلك ولكن، في الوقت الذي نجد العقل الهندي فيه جاهزًا للاستجابة للجهد الذي تتطلبه المقاومة السلبية، فإنه ليس جاهزًا بصورة كافية لتشرُّب درس اللاعنف، الوحيد القادر – ربما – على تحويل السمُّ إلى بلسم.

يقرُّ الكثيرون بأنَّ هذا هو الطريق لكنهم لا يملكون ما يكفي من الشجاعة لتبني الطريق الذهبي. ويمكنني أن أعلن من أعلى المنزل أن اللاعنف لم يفشل قط بل الناس هم الذين فشلوا في الارتقاء إلى مستواه. ولستُ أبالي إذا ما اتُّهِمت بأني لا أعرف تقنية نشر اللاعنف. لا بل يذهب نقادي إلى أبعد من ذلك فيقولون إني لا أتمتع باللاعنف حتى في داخلي، لكن الله وحده يعرف ما في قلوب البشر.

(هاريجان، 20-7-1947، ص243)

***

لا يحق لأحد أن يقول إنَّ ما لا يمكن تحقيقه خلال المعركة في سبيل الاستقلال، لا يمكن تحقيقه على الإطلاق. بل بالعكس، هنالك اليوم فرصة حقيقية لكي نبرهن سيادة الأهيمسا. صحيح أن شعبنا قد جرى امتصاصه إلى الدوامة العالمية للعسكرة، ولكن إن تمكن القلائل من البقاء خارج هذا التيار، فإن ميزتهم ستكون أنهم أعطوا مثالاً عن أهيمسا الشجعان وسوف يتم الاعتراف بهم كأول خدَّام للهند. لكن هذا لا يمكن إثباته عن طريق المنطق، ولكي يتم إثباته عن طريق التجربة، ينبغي القبول به من منطلق الإيمان.

(هاريجان، 1-2-1948، ص6)

***

يمكن أن تكون الشرطة ضرورية حتى في الدولة اللاعنفية، وأعترف بأن هذا دليل على عدم اكتمال الأهيمسا عندي؛ فليست لدي الشجاعة لإعلان أنَّ بوسعنا التدبر من دون قوة الشرطة وقوة الجيش. بطبيعة الحال يمكنني تخيُّل دولة لا يكون فيها ضرورة للشرطة، ولكن: هل سننجح في تحقيق هذا؟ وحده المستقبل يستطيع الإجابة عن هذا السؤال. لكن الشرطة ستكون – حسبما أتخيلها – من نمط مختلف تمامًا عن شرطة هذه الأيام، إذ يتوجب على المنتسبين إلى سلكها أن يكونوا مؤمنين باللاعنف، وأن يكونوا خدمًا للشعب وليس أسيادًا عليه، ما يجعل الناس يقدمون لهم المساعدة بشكل تلقائي. وعن طريق هذا التعاون المتبادل سيكون بوسعهم التعامل بسهولة مع حوادث العنف المتناقصة. سيكون بحوزة الشرطة طبعًا بعض أنواع السلاح، لكن استخدامها سيكون نادرًا جدًا، وقد لا تُستخدم البتة. وعلى أرض الواقع، سيكون رجال الشرطة من المصلحين، وتعاملهم الشرطي سيكون – بالدرجة الأولى – مع اللصوص وأفراد العصابات.

كما ستكون النزاعات بين العمل ورأس المال والإضرابات نادرة جدًا في الدولة اللاعنفية لأن تأثير الأغلبة اللاعنفية سيكون كبيرًا إلى حد أنه سيفرض احترامه على كافة مكونات المجتمع، ما يعني في نفس الوقت أنه لن يكون هناك مكان للاضطرابات الاجتماعية.

(هاريجان، 1-9-1940، ص265)

***

كيف ستكون حال السجون في الهند الحرَّة؟ ستتم معاملة كافة السجناء فيها كمرضى، وستكون كالمشافي التي تقبل هذا النوع من المرضى لتعالجهم وتشفيهم. لا أحد يرتكب جريمة للمتعة التي تحققها له، بل هي دلالة اضطراب ذهني. لذا يجب تقصي مسبِّبات كل حالة، وإزالتها. ولا حاجة حين تتحول السجون إلى مشافي أن تكون هذه الأخيرة قصورًا؛ فليس بوسع أي بلد تحمُّل كلفة كهذه، فما بالكم ببلد فقير كالهند. لكن مظهر الطاقم العامل في السجن يجب أن يكون كمظهر الأطباء والممرضين في المشافي، حيث يجب أن يشعر السجناء أن المسؤولين هناك أصدقاؤهم، وأن واجبهم مساعدتهم على استعادة عافيتهم العقلية، وليس إرهاقهم بأي شكل. طبعًا يجب على الحكومات الشعبية أن تصدر المراسيم اللازمة من أجل ذلك، لكن في نفس الوقت يجب على طاقم السجن أن يعمل الكثير لأنسنة إدارته.

ماذا سيكون في هذه الحال واجب السجناء؟ عليهم التصرف كسجناء مثاليين. عليهم تجنب أي خرق لأنظمة السجن. وعليهم إعطاء قلبهم وروحهم للعمل المكلفين به. فعلى سبيل المثال، إذا كان السجناء يُعدُّون طعامهم بأنفسهم يتوجب عليهم تنقية الرز والبرغل أو أي نوع من الحبوب يستعملونه بحيث لا تبقى فيها أية حصاة أو رمل أو سوس. كما يجب رفع كل شكاوي السجناء إلى الجهات المسؤولة أصولاً. وعليهم أن يفعلوا هذا في هذا المجتمع الصغير الذي يعيشون فيه لأنَّ عليهم أن يخرجوا من السجن في حال أفضل من تلك التي دخلوه فيها.

(هاريجان، 2-11-1947، ص395)

***

إن جعلتْ الهند من العنف إيمانًا لها، وتمكنت من الاستمرار في الحياة بعد ذلك، فلن أعبأ إذا ما عشت فيها أم لا. وستكفُّ الهند عن توليد أي شعور بالاعتزاز لدي، لأن وطنيتي هي محصلة إيماني؛ فأنا متعلق بالهند كما يتعلق بأمه طفل يشعر أنها تقدِّم له من ثديها ما يحتاج إليه من غذاء روحي، لأن فيها البيئة التي تستجيب مع أسمى تطلعاتي. لكن عندما يزول هذا الإيمان سأشعر بأني يتيم لا أمل له في أن يجد أي حارس.

(الهند الفتاة، 6-4-1921، ص128)

الفصل الخامس من كتاب كتابات وأقوال للمهاتما م. ك. غاندي، ترجمة: أكرم أنطاكي، معابر للنشر، دمشق، 2009.

Leave a Reply