من كفرحي إلى بكركي منارات الوجود المسيحي في الشرق

بقلم الاستاذ نبيل يوسف

قبل توجهه إلى روما، أسس القديس بطرس كنيسة انطاكيا، وأصبحت بطريركية إنطاكيا تشمل منطقة شرق المتوسط، أي دول: لبنان وسوريا وتركيا وقبرص.
أما الطائفة المارونية فتعود بجذورها إلى القديس مارون الراهب الذي عاش في القرن الرابع (350 – 410) وتنسك على جبل سمعان الواقع قرب مدينة حلب شمال سوريا، وجمع حوله عشرات الرهبان، وبعد وفاته انتشر رهبانه في شمال سوريا ووصل بعضهم إلى جبال لبنان مبشرين، ويؤكد بعض المؤرخين أنهم لعبوا دوراً تبشيرياً هاماً ما أدى إلى إضعاف سلطة بطريرك إنطاكيا على المناطق التي يوجدون فيها، وتوسعت أديارهم حتى قاربت 40 ديراً تحلقت حولها جماعات من المؤمنين الملتزمين العقيدة الخلقيدونية، ما دفع البطريرك الانطاكي إفرام أميد (529 – 545) لتقريب رهبان مار مارون إليه مستعيناً بعلمهم وخبرتهم اللاهوتية، ورغم النكبة التي حلت بهم إستمر من نجا منهم برسالته التبشيرية.
إعتباراً من منتصف القرن السادس انتقل النشاط الماروني من شمال سوريا إلى منابع نهر العاصي في منطقة الهرمل وإلى جبال شمال لبنان، وقد يكون من أسباب هذا الانتشار أن هذه المناطق عالية ووعرة من الصعب على الجنود القادمين من سهول القسطنطينية وانطاكيا اختراقها بسهولة.

في تلك المرحلة بدأت الهوية المارونية بالبروز وتبلورت مع ظهور عدد من الصلوات الخاصة بالموارنة.

في القرن السابع خرجت انطاكيا نهائياً عن سلطة القسطنطينية بعد أن اجتاحتها الجيوش الاسلامية سنة 636 وأصبحت عاصمة المسيحيين في الشرق من دون بطريرك، فعمد الأساقفة في القسطنطينية إلى انتخاب بطريرك فخري لانطاكيا يقيم في مدينتهم، وما كان يمارس من مهامه شيئاً، وبعد سيطرة الخليفة معاوية على بلاد الشام سمح للمسيحيين الخلقيدونيين الملكيين الذين يتبعون روما برسامة بطريرك على كرسي انطاكيا، فرسم “البطريرك ثيوكلفت” لكنه أقام في دمشق، ولم يمارس أي نشاط.

بعد وفاة البطريرك ثيوكلفت عام 681 منع يزيد خليفة معاوية المسيحيين من انتخاب بطريرك جديد لكرسي انطاكيا، وكان البيزنطيون توقفوا بعد وفاة البطريرك انستاز الثاني في أيلول 669 عن رسامة البطاركة الفخريين لانطاكيا، فأضحى الكرسي البطريركي الانطاكي شاغراً وأحوال المسيحيين ضائعة من دون بطريرك.

في هذا الوقت. ورغم كل ما تعرضوا له من نكبات، كان عدد الموارنة أصبح كبيراً وانتشارهم يمتد من سهول حلب وحمص شمالاً حتى قمم جبل لبنان نواحي منابع نهر ابراهيم جنوباً، وإلى دمشق شرقاً، وعدد من رهبانهم أصبحوا أساقفة.

عام 686 اجتمع الرهبان الموارنة وانتخبوا الراهب يوحنا مارون أسقف مدينة البترون منذ عام 675 بطريركاً على كرسي انطاكيا الشاغر، وهو البطريرك 63 بعد القديس بطرس مؤسس الكرسي البطريركي والبطريرك الماروني الأول. وبهذا الانتخاب بدأ بناء وتنظيم الكنيسة المارونية على الصعيد الكنسي والوطني والاجتماعي.
لم يكن الهدف من انتخاب القديس يوحنا مارون بطريركاً الانشقاق عن الكنيسة الأم الجامعة في روما، بل تعبئة فراغ بعد شغور الكرسي البطريركي الانطاكي، وحفظ الرعية من التشتت والارتهان والذوبان، وتسريع شؤون المواطنين لأن روما بعيدة جداً عن الشرق.

لذلك فور انتخابه وجه البطريرك الماروني الأول رسالة إلى قداسة الحبر الأعظم معلناً خضوعه لخليفة القديس بطرس طالباً درع التثبيت، فأتاه الدرع وأصبح البطريرك الماروني خليفة القديس بطرس في رئاسة الكنيسة الانطاكية، وراح البطاركة الموارنة يضيفون إسم بطرس خليفة السيد المسيح إلى أسمائهم.

منذ سنة 686 وحتى اليوم لم تنقطع سلسلة البطاركة الموارنة، الذين بلغ عددهم 77 بطريركاً، وسكنوا في المقرات التالية:

في دير كفرحي:

المعروف اليوم بدير مار يوحنا مارون، الواقع في وسط منطقة البترون، وسكن فيه:
1 – يوحنا مارون: عند انتخابه حاول البطريرك الماروني الأول التوجه إلى شمال سوريا، لكنه لم يستطع البقاء هناك طويلاً فعاد إلى جبل لبنان حاملاً معه هامة القديس مارون، وجعل كرسيه في دير كفرحي في وسط منطقة البترون الذي أسماه “دير ريش موران” أي “دير رأس سيدنا” باللغة السريانية، واستمر في إدارة شؤون رعيته المارونية من دير كفرحي، وكان في بعض الأوقات ينتقل إلى قلعة سمار جبيل في منطقة البترون حتى وفاته سنة 707

2 – قورش: هو إبن إخت البطريرك الماروني الأول.

3 – جبرائيل: البطريرك الماروني الثالث.

في دير سيدة يانوح:

الواقع في جرد منطقة جبيل قرب العاقورة، وسكن فيه:

4 – يوحنا مارون الثاني: حاول العودة إلى إنطاكيا لإعادة ملء كرسيها الشاغر، لكن العرب المسيطرين على تلك النواحي حالوا دون ذلك، فعاد إلى جبل لبنان ولم يسكن دير كفرحي بل صعد إلى دير سيدة يانوح، فانتقلت البطريركية المارونية إلى هناك. أما سبب انتقاله إلى يانوح فمرده إلى بعدها عن المناطق الساحلية المسيطر عليها من قبل العرب، ومن الصعب جداً على الخيول العربية الصعود إلى قمم جبل لبنان، على عكس كفرحي الممكن إقتحامها من قبل الجيوش الاسلامية.

5 – يوحنا الدملصي: من بلدة دملصا في قضاء جبيل.

6 – غريغوريوس: المعاصر لهارون الرشيد الخليفة العباسي الخامس الذي حكم ما بين عامي 786 و809 ميلادية.

7 – إسطفانوس الأول

8 – مرقس

9 – أوسابيوس: المعرّب حوشب

10 – يوحنا: الرابع بهذا الإسم، الذي شارك في مجمع القسطنطينية سنة 869

11 – يشوع

12 – داوود

13 – غريغوريوس

14 – تاوقيلكتوس: أو توافيلقطوس المعرّب حبيب

15 – يشوع: دعي أيضاً عيسى

16 – دوميطيوس: أو ضوميط

17 – إسحاق

18 – يوحنا: الخامس بهذا الإسم، وفي أيامه ظهر المطران داوود مترجم كتاب الهدى

19 – سمعان الأول

20 – أرميا الأول

21 – يوحنا السادس

22 – شمعون الأول

23 – شمعون الثاني

24 – يوسف الجرجسي: كان بطريركاً عند قدوم الصليبيين سنة 1098 وفي عهده ابتدأ الموارنة بدق الأجراس بدلاً من نواقيس الخشب.
هكذا يكون دير سيدة يانوح مقراً بطريركياً مارونياً لنحو 370 سنة متتالية.

دير سيدة إيليج:

يقع على الحدود الفاصلة ما بين جرد منطقة البترون وجرد منطقة جبيل، ويتبع إدارياً حالياً منطقة جبيل، وسكن فيه:

25 – بطرس الأول: انتخب سنة 1120 في دير سيدة يانوح، لكنه نقل مقره إلى دير سيدة إيليج، وبقي فيه حتى وفاته سنة 1130.

26 – غريغوريوس: من بلدة حالات عند ساحل جبيل وأقام فيه حتى وفاته سنة 1141.

27 – يعقوب الراماتي: من رامات، ورامات بلدة إندثرت كانت موجودة شرق بلدة جران في وسط منطقة البترون.

28 – يوحنا السابع: المعروف بيوحنا اللحفدي، المنتخب سنة 1151 واننقل للاقامة في دير مار الياس في بلدته لحفد في وسط منطقة جبيل مسقط رأس الطوباوي الأخ إسطفان نعمه، ومن ثم أقام لبعض الوقت في بلدة هابيل عند ساحل منطقة جبيل، لكنه عاد إلى دير سيدة إيليج وتوفي فيه سنة 1154.

29 – بطرس الثاني

30 – بطرس الثالث

31 – بطرس الرابع

32 – أرميا العمشيتي: من عمشيت في قضاء جبيل المنتخب سنة 1209 وهو أول بطريرك ماروني يزور حاضرة الفاتيكان سنة 1213 للمشاركة في المجمع المسكوني المنعقد في لاتران المعروف بالمجمع اللاتراني، الذي قرر إيفاد حملة صليبية جديدة لاسترجاع الأراضي المقدسة، وبحسب الدويهي عاد إلى لبنان سنة 1215 ونزل في طرابلس في شهر آذار وصعد إلى دير سيدة إيليج حيث توفي سنة 1230 وذكر إبن القلاعي أنه لما كان البطريرك أرميا يقدّس في حضرة البابا وانتهى إلى رفع القربان، فرفعه وبقيت “الشيلة” معلقة في الهواء فوق رأسه، فذهل البابا وأمر بنقش صورة تذكارية لهذه الآية على جدار كنيسة القديس بطرس القديمة، شاهدها الدويهي حين كان طالباً في روما.

33 – دانيال الشاماتي: من بلدة شامات في منطقة جبيل، وبعد انتخابه في دير سيدة إيليج انتقل إلى دير كفيفان في وسط منطقة البترون، ومنه إلى دير كفرحي المقر البطريركي الأول، وبحسب الدويهي كان سنة 1236 مقيماً في دير مار جرجس الكفر – جبيل، وعاد إلى دير سيدة إيليج ومات ودفن فيه سنة 1239.

34 – يوحنا بطرس الجاجي: من جاج في قضاء جبيل انتخب في دير سيدة إيليج وأقام فيه لفترة من ثم انتقل إلى دير سيدة يانوح، وعاد إلى دير إيليج ليعود ويموت ويدفن في يانوح.

35 – سمعان الرابع: المنتخب سنة 1245 وبعد سنة على انتخابه وصل إلى جبل لبنان الأخ لورنسيوس الفرنسيسكاني زائراً رسولياً متوجهاً إلى الشعب الماروني من قبل البابا إينوشنسيوس الرابع، وفي عهده قرر ملك فرنسا لويس التاسع عام 1270 قيادة حملة صليبية جديدة إلى الشرق، فاستعد آلاف المقاتلين الموارنة بقيادة الأمير سمعان لملاقاتها، لكن بسبب تفشي وباء قاتل بين الجنود لم تكمل الحملة طريقها إلى القدس. أقام هذا البطريرك لفترة قصيرة في يانوح وتوفي سنة 1277 ودفي في دير سيدة إيليج.

36 – يعقوب: الثاني بهذا الإسم، جدد دير سيدة إيليج وأقام ومات فيه

37 – دانيال الحدشيتي: من حدشيت في جبة بشري، وفي عهده وصلت حملة المماليك بقيادة الملك الظاهر إلى طرابلس سنة 1264 وفتصدى لها الموارنة الهابطون من جبالهم وأوقفوا تقدم المماليك إلى جبل لبنان، الذين أعادوا الكرة سنة 1266 دون أن يحرزوا أي نجاح، ومطلع سنة 1282 وجه المماليك حملة كبيرة إلى جبل لبنان بقيادة السلطان قلاوون ولاقاه حسام الدين من دمشق وحاصروا جبة بشري واجتاحوا حصرون والحدث وحاصروا الموارنة المتحصنين في إهدن بقيادة البطريرك دانيال الحدشيتي الذي كان يقود المقاتلين الموارنة بنفسه مدة 40 يوماً، ولم يتمكنوا من إقتحام إهدن إلا بالحيلة بعد أن قبضوا على البطريرك وقتلوه، ودفن في إيليج سنة 1282.

تجدر الإشارة إلى أنه عندما زال الحكم الصليبي من الشرق إلتجأ إلى جبال الموارنة من بقي من الأوروبيين واندمجوا مع أهالي البلاد، فمنح البابا الكسندر الرابع البطريرك الماروني كل التفويضات والصلاحيات لرعاية المنتسبين إلى الطقس اللاتيني وإعتبارهم كأبناء الطائفة المارونية، ومن هؤلاء المقاتلين الصليبيين الأوروبيين اللاتينيين تتحدر عشرات العائلات المارونية اللبنانية التي ما زال بعضها يحمل أسماء أوروبية.
سيطرة المماليك على جبل لبنان، جعلت الموارنة يدفعون ثمن صداقتهم للصليبيين، فراح الحكام الجدد يضطهدونهم ويضيقون عليهم ويحاربونهم وينكّلون بهم، حتى وصل بهم الأمر إلى إعتقال البطريرك جبرائيل الحجولي وقتله.

38 – لوقا البنهراني: من بلدة بنهران في قضاء الكورة المنتخب سنة 1282 في دير سيدة إيليج، وبحسب الدويهي تنقل في إقامته ما بين دير إيليج وبلدته بنهران ودير سيدة ديرونا في أعالي بلدة بلا في جبة بشري صيفاً، كما سكن لفترة في دير مار قوزما ودميانوس قرب بلدة برحليون في جبة بشري، ولم تعرف سنة وفاته ومكانها.

39 – أرميا الدملصاوي: من بلدة دملصا في قضاء جبيل، وهو البطريرك الثالث بهذا الاسم. انتخب في دير حالات عند ساحل جبيل وسافر إلى روما، وفي عهده جرت نحو سنة 1290 معركة استرداد جبيل من المماليك، فحاول الموارنة اقتحام المدينة من جهتي وادي الفيدار ووادي المدفون، وكانت مهمة مقاتلي الموارنة المتحصنين في وادي المدفون بقيادة مقدم كفركده، قطع طريق الامداد القادم من طرابلس لنجدة حامية جبيل، وجرت في الوادي معركة رهيبة قتل خلالها مقدم كفركده، ومن يومها أصبح وادي المدفون يعرف بهذا الإسم لكثرة ما دفن فيه من قتلى المماليك، بعد أن كان يعرف بوادي حربا أي وادي الحرب في اللغة السريانية، وكان إسم وادي حربا أخذ من المعركة التي جرت نحو 693 بين الموارنة المتحصنين في قلعة سمار جبيل والجيش البيزنطي. وفي عهد هذا البطريرك أنهى المماليك الوجود الصليبي نهائياً في جميع مدن الشرق ما عدا جزيرتي قبرص وأرواد. توفي سنة 1297 ودفن في دير إيليج

40 – شمعون أو سمعان: الخامس بهذا الإسم، وفي عهده بدأت أفظع حملة تنكيل جردها المماليك ضد الموارنة وبشكل لم يعرفه التاريخ الماروني من قبل، وسنة 1302 وجّه المماليك حملة إلى جبل لبنان فواجههم الموارنة بقيادة مقدميهم: خالد مقدم مشمش وسنان وأخوه سليمان مقدما إيليج وسعاده وسركيس مقدما لحفد وعنتر مقدم العاقورة وبنيامين مقدم حردين. وعند مدخل جبيل كانت الموقعة الرهيبة التي قتل فيها حمدان قائد جيوش المماليك.

41 – يوحنا العاقوري: انتخب سنة 1339 وهو الخامس بهذا الاسم، عاش وتوفي ودفن في دير إيليج.

42 – جبرائيل: من حجولا انتخب سنة 1357 وحجولا بلدة تقع في جرود بلاد جبيل وفي نيسان 1367 أحرقه المماليك عند مدخل طرابلس.
بحسب الدويهي يمكننا تلخيص ظروف استشهاده بالتالي: أغار ملك قبرص الصليبي على الاسكندرية، فأمر سلطان مصر نائبيه في الشام وطرابلس بالانتقام من الموارنة وبطريركهم، من دون ذنب إقترفوه فقبض نائب طرابلس على 40 رجلاً مارونياً بعضهم من حجولا قرية البطريرك، مرغماً البطريرك الماروني على الاستسلام، فسلّم ذاته لإطلاق سراح المحتجزين وما أن تسلمه نائب طرابلس حتى أمر بإحراقه خارج المدينة في محلة طينال، وكان ذلك في الأول من نيسان 1367

43 – داود الثاني: عرف أيضاً باسم داود يوحنا، انتخب في دير سيدة إيليج وأقام لفترة في بلدة هابيل عند ساحل جبيل، من ثم انتقل إلى دير مار سركيس في حردين في جرود منطقة البترون ليعود إلى إيليج، وتوفي سنة 1404 ودفن في إيليج.

44 – يوحنا الجاجي: من بلدة جاج في جرود منطقة جبيل، انتخب في إيليج، ومن ثم انتقل إلى قنوبين، ومعه انتقل مقر البطريركية المارونية إلى وادي قنوبين.
لانتقال البطريركية المارونية إلى قنوبين قصة تقول: عام 1439 وجّه البابا أوجين الرابع إلى البطريرك الماروني دعوة للمشاركة في المجمع الذي سيعقد في فلورنسا والمخصص لتوحيد الكنيستين الشرقية والغربية، فلم يتمكن من المشاركة وانتدب عنه رئيس الرهبان الفرنسيسكان في بيروت الأب فراجون باعثاً معه رسالة تعلن قبول الكنيسة المارونية بكل ما يحدده ويقره المجمع، وتليت الرسالة في المجمع في جلسة 12 شباط 1439 ومطلع تشرين الأول عاد الراهب فراجوان إلى طرابلس حاملاً معه درع التثبيت ورسائل من البابا للبطريرك الماروني فلاقاه الموارنة إلى المدينة، فأوجس منه نائب طرابلس شراً فاعتقله بحجة أنه جاسوس للصليبيين الذين يحاولون العودة إلى الشرق. ولما وصل الخبر إلى إيليج أوفد البطريرك الماروني بعض أعيان الطائفة إلى نائب طرابلس كافلين الراهب، فأطلق سراحه وصعد إلى إيليج وسلم البطريرك درع التثبيت والرسائل، ومن ثم عاد إلى بيروت، لكن يبدو أن نائب طرابلس بدّل رأيه فطلب إحضار الراهب ولما علم أنه أصبح في بيروت، جرد حملة عسكرية على دير إيليج، نكّل خلالها الجنود بالرهبان والأهالي وخربوا الدير والبيوت والحقول. أما البطريرك يوحنا الجاجي فهرب مع العديد من الرهبان والفلاحين الموارنة إلى وادي قنوبين، وكان ذلك عام 1440 فأكمل حبريته في دير سيدة قنوبين حتى وفاته سنة 1445 وبه ابتدأت سلسلة البطاركة الموارنة الذين استقروا في وادي قنوبين.

في دير سيدة قنوبين:

الواقع في جبة بشري، وسكن فيه:

45 – يعقوب بطرس بن الحدثي: من بلدة الحدث البيروتية، والثالث باسم يعقوب. أقام في قنوبين ومات في 8 شباط 1468 ودفن في قنوبين.

46 – يوسف بطرس بن يعقوب: الشهير بابن حسان وهو أيضاً من الحدث والثاني باسم يوسف. سكن في قنوبين، وفي عهده ذاق الموارنة الذل ألواناً من قبل المماليك ما دفع البطريرك إلى بيع حتى أواني الكنائس لتسديد الضرائب عن الفقراء الموارنة، وتوفي سنة 1492

47 – سمعان بطرس بن داود بن يوسف بن حسان: السادس بهذا الاسم، وفي عهده أرسل البابا لاوون العاشر قاصداً رسولياً على الطائفة المارونية سنة 1515 فتجول في جبال الموارنة وعاد إلى روما رافعاً تقريراً عن أوضاعهم، وبعد أن إطلّع عليه البابا وسرّ به أرسل إلى البطريرك الماروني رسالة أعرب فيها عن فرحه ومما جاء فيها: “…. أشكره تعالى الذي بعظم رحمته شاء أن تكون أمة الموارنة وسط أهل الكفر والبدع مصونة كالورد بين الأشواك، وذلك لمجد إسمه وارتداد غير المؤمنين إلى الإيمان، ….”. توفي في 27 تشرين الثاني 1524 وله من العمر 120 سنة ودفن في قنوبين.

48 – موسى العكاري: هو موسى بن بطرس بن سعاده من بلدة الباردة في عكار، المعروف بموسى العكاري. حاول طلب مساعدة الأوروبيين لنيل الاستقلال، فوجه رسالة إلى الأمبراطور شارلكان مؤرخة في 25 آذار 1527 مما جاء فيها: “… منذ أربع سنوات ونحن نترجى جلالتكم كي تهتموا بمساعدتنا على نيل استقلالنا وعندنا 50 ألف مقاتل من الرماة مدربون أحسن تدريب وعلى أتم الاستعداد لخدمتكم في الحرب الاستقلالية، ….”.
لم يصل البطريرك الماروني إلى مبتغاه، فحاول الاتصال بالسلطان العثماني الذين كان سيطر على الشرق قبل سنوات قليلة، فأوفد إليه سنة 1550 الأب طانيوس الحصروني الذي التقى السلطان سليم الثاني في مدينة حلب وشرح له حال الموارنة في جبل لبنان وما كانوا يتعرضون له من ظلم على أيدي المماليك طالباً رفع الظلم عنهم والمحافظة على استقلالهم الداخلي، فكان له ما أراد وحمّله السلطان العثماني “خطاً همايونياً” إلى قاضي طرابلس يأمره بعدم التعرض للموارنة.
عاش البطريرك موسى العكاري في قنوبين ومات في 19 آذار 1567 ودفن هناك

49 – مخايل الرزي: هو مخايل بن يوحنا الرزي، والأول بهذا الإسم. من قرية بقوفا قرب إهدن. انتخب في 31 آذار 1567 وكان حبيساً في محبسة مار بيشاي في وادي قزحيا، عاش في دير قنوبين وتوفي في 21 أيلول 1581 ودفن فيه.

50 – سركيس الرزي: شقيق البطريرك الأسبق وخليفته في محبسة مار بيشاي، وفي عهده أنشأت المدرسة المارونية في روما سنة 1584 التي تعتبر فخر إنجازات الطائفة المارونية، ولمع نجم الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، وجاء الأب جيروم دنديني سنة 1596 لزيارة الطائفة المارونية وتفقد أحوالها وشارك في مجمع قنوبين الذي عقد أواخر ذلك العام.
قضى الأب دنديني نحو 3 سنوات في جبل لبنان، جال خلالها في العديد من المناطق التي يسكنها الموارنة ودوّن مشاهداته فوصف وصفاً دقيقاً المجتمع الماروني: روحياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً وعمرانياً، ولاحقاً أصبحت تلك المدونات من أهم المراجع التي يستند إليها لوصف الحياة في جبل لبنان ذلك الوقت. توفي البطريرك سركيس الرزي سنة 1597 ودفن في دير قنوبين

51 – يوسف الرزي: هو يوسف إبن موسى الرزي، ابن شقيق البطريرك الأسبق، والثالث بهذا الإسم. انتخب بحضور الأب دنديني وهو من أمر باتباع التقويم الغريغوري في الطائفة المارونية خلال المجمع الذي عقده في السنة التالية لانتخابه، وسكن ومات ودفن في قنوبين في آذار 1608.

52 – يوحنا بن مخلوف الاهدني: الحادي عشر بهذا الاسم، وبحسب الدويهي على أثر وفاة البطريرك يوسف الرزي لم يتم انتخاب خلف له “بسبب جور الحكام” حتى 16 تشرين الثاني 1608 عندما انتخب في قنوبين البطريرك الجديد وأقام هناك وفي عهده بني سنة 1624 أول معهد إكليريكي في الطائفة المارونية في دير سيدة حوقا (قرب إهدن) وبسبب مضايقة حاكم البلاد الكرسي البطريركي انتقل إلى بلدة مجدل المعوش في الشوف حيث بنى كنيسة وداراً، وزار الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، الذي كان صديقه ومن ثم عاد إلى قنوبين حيث توفي في 15 كانون الأول 1633 ودفن في قنوبين.

53 – جرجس عميره الإهدني: إنتخب في قنوبين في 27 كانون الأول 1633 وهو تلميذ المدرسة المارونية في روما ومؤلف “غراماطيق سرياني – لاتيني”. عاش في قنوبين، وتوفي في 29 تموز 1644 ودفن في قنوبين.

بحسب الدويهي: “خلال حكم المعنيين تنفس الموارنة الصعداء: بنوا الكنائس وركبوا الخيل بسروج ولفوا شاشات وكرور ولبسوا الزنانير، وقدم المرسلون من بلاد الفرنج وأخذوا السكنى في جبل لبنان لكون غالب عسكره كانوا نصارى، وكواخيه وخدمه موارنة. وطلب فخر الدين مساعدة البطريرك مخلوف والبطريرك عميرة لنيل إستقلال البلاد فساعداه على عقد المعاهدات بينه وبين توسكانا وبعض الدول الأوروبية من خلال قداسة الحبر الأعظم، ووضعا تحت تصرفه نخبة من الأساقفة والعلماء الموارنة لمساعدته كالمطران جرجس مارون الاهدني والمطران سركيس الجمري الاهدني والعلامة ابراهيم الحقلاني وغيرهم، وبعد استلام الأمير ملحم ابن اخت الأمير فخر الدين الحكم طلب مساعدة البطريرك مخلوف للاعتراف به من قبل الباب العالي فكتب البطريرك الماروني إلى قداسة الحبر الأعظم مبيناً فضل المعنيين على الموارنة طالباً منه التدخل لدى حكام أوروبا لاستعمال نفوذهم لدى الباب الحالي لتثبيت الحكم المعني فكان له ما أراد”.

54 – يوسف بن حليب: من العاقورة وعرف أيضاً بيوسف العاقوري، انتخب في 15 آب 1644 وتنقل في إقامته ما بين قنوبين ودير مار يوحنا حراش في كسروان الذي بناه وعقد فيه مجمعاً كما أقام لفترة في دير مرت موره في إهدن، حيث عقد مجمعاً آخر، وتوفي في 3 تشرين الثاني 1648 في العاقورة ودفن في كنيستها.

55 – يوحنا البواب: من بلدة الصفرا عند ساحل فتوح كسروان انتخب وسكن وتوفي في 23 كانون الأول 1656 في دير قنوبين ودفن فيه

56 – جرجس رزق الله: هو جرجس ابن الحاج رزق الله. الثاني بهذا الاسم، وهو من بلدة بسبعل في منطقة الزاوية وتنقل في إقامته ما بين دير قنوبين ودير مار شليطا مقبس في غوسطا في فتوح كسروان حيث توفي هناك في 13 نيسان 1670 بداء الطاعون ودفن في غوسطا.

(البطريرك الدويهي)

57 – إسطفان الدويهي الكبير: فخر الطائفة المارونية ومن أعظم بطاركتها واليه يعود الفضل الأول في حفظ تاريخها. خريج المدرسة المارونية، انتخب في دير قنوبين في 20 أيار 1670 وسكن معظم سني بطريركيته في الوادي المقدس، لكنه أقام بضع سنوات في دير مار شليطا مقبس، حيث رمم الكنيسة وشيد داراً لإقامته، وسكن بعض الوقت في مجدل المعوش في منطقة الشوف، وطاف وهو بطريرك على كل الأبرشيات وزار معظم الرعايا وفحص الكتب البيعية ودوّن ما وصل إليه فحفظ تاريخ الكنيسة المارونية، وتوفي برائحة القداسة في 3 أيار 1704 في قنوبين ودفن هناك.

58 – جبرائيل البلوزاني: من بلدة بلوزا في منطقة بشري. انتخب في 1 آب 1704 وأقام في قنوبين وتوفي ودفن هناك في 31 تشرين الأول 1705

59 – يعقوب عواد: هو يعقوب ابن الخوري يوحنا عواد، من بلدة حصرون في جبة بشري وتلميذ المدرسة المارونية. تنقل في إقامته ما بين قنوبين ودير قزحيا ودير مار شليطا مقبس في غوسطا حيث توفي في 19 شباط 1733 ودفن هناك.

60 – يوسف ضرغام الخازن: من بلدة غوسطا في فتوح كسروان انتخب وسكن في قنوبين، وفي عهده إلتأم المجمع اللبناني في دير سيدة اللويزة سنة 1736 وتوفي في دير ريفون في 13 أيار 1742 ودفن في كنيسة مار الياس في غوسطا.

61 – سمعان عواد الحصروني: من بلدة حصرون في جبة بشري. انتخب في دير عين ورقة في كسروان وتنقل في حبريته ما بين قنوبين ودير سيدة مشموشة في منطقة جزين حيث توفي في 12 شباط 1756 ودفن هناك

62 – طوبيا الخازن: من بلدة بقعاتة كنعان في كسروان. انتخب في 28 شباط 1756 في كنيسة مار يوسف في عينطورة في كسروان، وأقام معظم سني حبريته في عجلتون في كسروان. في مطلع عهده قرر الأساقفة المجتمعون برئاسته في دير مار أنطونيوس – بقعاتة إضافة عبارة وسائر المشرق إلى لقب البطريرك الماروني القديم “بطريرك إنطاكيا” توفي في 19 أيار 1766 ودفن في كنيسة السيدة الخاصة بعائلة بيت الخازن في عجلتون.

63 – يوسف إسطفان: من بلدة غوسطا في كسروان، وهو السادس بهذا الإسم. تلميذ المدرسة المارونية في روما. انتخب في 9 حزيران 1766 في دير مار شليطا مقبس في كسروان، وأقام أكثر الأوقات في دير مار يوسف الحصن في غوسطا، حيث توفي في 22 نيسان 1793 ودفن فيه.

64 – مخايل فاضل: الثاني بهذا الاسم، وهو من بيروت. انتخب في 20 أيلول 1793 وتأخر انتخابه بسبب تفشي مرض الطاعون “الذي أهلك الكثير من الخلق”، وعاش في دير مار يوحنا حراش في كسروان ومات ودفن فيه في 17 أيار 1795 ولم يكن حصل بعد على درع التثبيت من روما الذي وصل مع موفده الخوري جرجس غانم في 27 حزيران 1795.

65 – فيليبس الجميل: من بكفيا، إنتخب في 13 حزيران 1795 في دير سيدة بكركي، وهو أول بطريرك ماروني يقيم في بكركي وتوفي بداء الفالج في عجلتون في 12 نيسان 1796 قبل أن يصله درع التثبيت ودفن في بكركي

66 – يوسف التيان: السابع بهذا الإسم، وهو من بيروت وتعود أصوله إلى بلدة حدتون في جرد منطقة البترون. تلميذ المدرسة المارونية انتخب في 18 نيسان 1796 في دير بكركي وأقام معظم سني حبريته في قنوبين، وأحياناً في دير مار شليطا مقبس. في 10 أيار 1809 تنازل عن الكرسي البطريركي زهداً وقضى بقية حياته متنسكاً في قنوبين حيث توفي في 20 شباط 1820 ودفن هناك.
لم تكن إستقالة البطريرك التيان فقط بسبب الزهد، بل نتيجة مؤامرة حاكها ضده الأمير بشير الشهابي والقاصد الرسولي في لبنان المونسنيور لويس غاندلفي صديق الأمير، وفي التفاصيل أن البطريرك الماروني رفض سياسة الظلم والقهر والإستبداد ورفع الضرائب على الفقراء التي يتبعها الأمير الشهابي، وإرتفع صوته مندداً بما يجري، حتى هدد الأمير بشير بالحرم الكنسي الكبير إن لم يخفف ظلمه. فما كان من الأمير إلا أن طلب معاونة صديقه القاصد الرسولي الذي رفع التقارير إلى الكرسي الرسولي ضد البطريرك، حتى إضطر البطريرك التيان إلى الاستقالة.

67 – يوحنا الحلو: الثالث عشر بهذا الإسم، انتخب في دير مار يوسف عينطورة بتاريخ 8 حزيران 1809 بحضور القاصد الرسولي المونسنيور لويس غندفلي، أعاد ترميم وتوسيع دير سيدة قنوبين، وأقام فيه معظم حبريته حتى وفاته في 12 أيار 1823 ودفن هناك.

في دير سيدة بكركي:

في منطقة كسروان، وسكن فيه:

68 – يوسف حبيش: من ساحل علما، والثامن بهذا الإسم. إنتخب في 25 أيار 1823 في كنيسة سيدة قنوبين وأقام في دير بكركي شتاءً، وبنى مقراً بطريركياً في الديمان في جبة بشري وأقام فيه صيفاً. أول بطريرك شرقي يهديه الباب العالي في إسطنبول “النيشان العثماني المرصع” فقبله بتحفظ ووضعه في صندوق ولم يزين به صدره يوماً. حارب الحكم المصري والمظالم التي ارتكبها، وفي عهده أنشأ نظام القائمقاميتين الذي رفضه مطالباً بإبقاء جبل لبنان موحداً. توفي في الديمان في 23 أيار 1845 ودفن في كنيسة قنوبين.

69 – يوسف راجي الخازن: التاسع بهذا الإسم. تأجل إنتخابه إلى 15 آب 1845 بسبب الأحداث التي شهدها جبل لبنان ربيع وصيف ذلك العام انتخب في دير سيدة ميفوق وأقام في بكركي شتاءً والديمان صيفاً. توفي في 3 تشرين الثاني 1854 ودفن في قنوبين.

70 – بولس مسعد: الكاتب والمؤرخ تلميذ المدرسة المارونية وهو من عشقوت في كسروان انتخب في 12 تشرين الثاني 1854 وأقام في بكركي والديمان صيفاً. في عهده جرت ثورة الفلاحين في كسروان سنة 1858 المعروفة بثورة طانيوس شاهين، وحوادث 1860 وإقرار نظام المتصرفية وثورة يوسف بك كرم. توفي في 18 نيسان 1890 ودفن في كنيسة مار بطرس وبولس في بلدته.

71 – يوحنا الحاج: هو يوحنا الخوري يعقوب الحاج، والرابع عشر بهذا الاسم. من دلبتا في كسروان انتخب في 28 نيسان 1890 وهو الذي بنى دير بكركي في حلته الحاضرة وكان بوشر بناؤه زمن البطريرك حبيش وأقام فيه معظم أيام السنة، وصيفاً في الديمان. في عهده تجددت المدرسة المارونية في روما سنة 1891 وتوفي في بكركي في 24 كانون الأول 1998

(البطريرك الحويك)

72 – الياس الحويك: محقق دولة لبنان الكبير. من بلدة حلتا في وسط منطقة البترون، وتلميذ المدرسة المارونية، انتخب في 6 كانون الثاني 1899 في بكركي وأقام في بكركي وشيد المقر البطريركي في الديمان في حلته الحاضرة فأصبح المقر البطريركي الرسمي صيفاً وصرح بكركي المقر الشتوي. من يوم انتخابه وضع إستقلال لبنان هدفه الأول، فكانت كلمته الأولى بعد تسلمه عصا الرعاية التي أصبحت مضرب مثل: “.. سأبذل جهدي وراحتي بل وحياتي في سبيل شعبي وكنيستي، ….”. مؤسس راهبات العائلة المقدسة المارونيات، إضطهده جمال باشا السفاح حاكم لبنان العثماني خلال الحرب العالمية الأولى وكاد أن ينفيه. ترأس سنة 1919 أول وفد لبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس وإليه يعود الفضل بتوسيع حدود لبنان الحالية. توفي في بكركي في 24 كانون الأول 1931 ونقل جثمانه لاحقاً إلى كنيسة دير راهبات العائلة المقدسة المارونيات الأم في بلدة عبرين في منطقة البترون.

(البطريرك عريضه)

73 – انطوان عريضه: من بشري انتخب في 8 كانون الثاني 1932 في بكركي. أكمل بناء صرح الديمان، وفتح مدرسة مار مارون الاكليريكية في غزير. أقام في بكركي والديمان وتوفي نهار خميس الصعود في 19 أيار 1955 ودفن في كنيسة الديمان.

(البطريرك المعوشي)

74 – بولس المعوشي: من وادي الليمون في منطقة جزين، المعيّن في 25 أيار 1955 من قبل البابا بيوس الثاني عشر، وكان يشغل قبل تعينه منصب رئيس اللجنة الرسولية، وهو أول بطريرك ماروني يصبح كاردينالاً سنة 1965 وفي عهده رفع الأب شربل مخلوف إلى مرتبة الطوباويين. أقام في بكركي والديمان وتوفي في 11 كانون الثاني1975 ودفن في كنيسة بكركي.

(البطريرك خريش)

75 – أنطونيوس خريش: الثاني بهذا الإسم. من عين إبل في قضاء بنت جبيل في أقصى الجنوب على حدود فلسطين انتخب في بكركي في 3 شباط 1975 قبل أشهر من إندلاع الحرب اللبنانية، وهو ثاني بطريرك ماروني يصبح كاردينالاً، وشهدت حبريته ويلات الحرب اللبنانية وما رافقها من مآسي طالت الشعب المسيحي، كما رفع خلالها الطوباوي شربل مخلوف سنة 1977 إلى مرتبة القديسين وأعلنت الراهبة رفقا الريس طوباوية سنة 1985. أقام في بكركي والديمان صيفاً، وإن توقف بعض سنوات الحرب عن الصعود إلى الديمان. قدّم إستقالته في 27 تشرين الثاني 1985 فبادر الكرسي الرسولي إلى تعيين راعي أبرشية صيدا ودير القمر المارونية المطران ابراهيم الحلو مدبراً رسولياً للكنيسة المارونية، ما دفع معظم المطارنة لرفع كتاب إلى حاضرة الفاتيكان يعلنون فيه عدم تحبيذهم فكرة تعيين بطريرك لأنه يحق للطائفة المارونية أن تختار البطريرك بنفسها، وكانت تجربة البطريرك المعوشي ما تزال ماثلة، فكان لهم ما أرادوا. بعد إستقالته عاش البطريرك خريش في دير بكركي وتوفي فيه في 19 آب 1994 ودفن في مدافن البطاركة في صرح بكركي.

(البطريرك صفير)

76 – نصر الله صفير: محقق إستقلال لبنان الثاني ربيع العام 2005 من ريفون في كسروان، إنتخب في بكركي بتاريخ 19 نيسان 1986 وهو ثالث بطريرك ماروني يصبح كاردينالاً. تسلم عصا الرعاية المارونية والحرب في أوج استعارها والضربات تتوالى على شعبه، فاستطاع قيادة طائفته ووطنه في أقسى الظروف، وفي مرحلة تسعينيات القرن المنصرم بقي صوته الأعلى والأصلب مطالباً بحرية وسيادة واستقلال لبنان. في عهده أعلنت الطوباوية رفقا قديسة سنة 2001، والأب نعمة الله الحرديني طوباويا سنة 1998 ومن ثم قديساً سنة 2004، والأب يعقوب الكبوشي طوباوياً سنة 2008 والأخ إسطفان نعمه طوباوياً سنة 2010. في أيار 1997 زار قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني لبنان. أواخر العام 2010 قدم إستقالته إلى حاضرة الفاتيكان بسبب تقدمه في السن، وما زال يقيم في دير سيدة بكركي وصيفاً في الديمان.

77 – بشارة الراعي: من حملايا في قضاء المتن الشمالي، إنتخبه مجلس الأساقفة في 15 آذار 2011 مطلقاً شعاره “شركة ومحبة” عيّنه البابا بندكتوس السادس عشر كردينالاً وهو الكاردينال الماروني الرابع، والأول الماروني والشرقي في العصور الحديثة الذي يشارك في انتخاب بابا جديد عام 2013 عندما شارك بانتخاب البابا فرنسيس الأول. في عهده زار البابا بندكتوس السادس عشر لبنان ما بين 14 و16 أيلول 2012 وما زال يحمل لواء قيادة مسيرة طائفته ووطنه إلى بر الخلاص. أطال الله بعمره وسدد خطاه.

الخلاصة
في المحصلة تنقل البطاركة الموارنة في 5 مقار رئيسة هي:

1- دير رأس مارون، أو مار يوحنا مارون حالياً في بلدة كفرحي في وسط منطقة البترون وسكن فيه أول 3 بطاركة طوال نحو 60 سنة.

2- دير سيدة يانوح في جرود منطقة جبيل وسكن فيه طوال 370 سنة 21 بطريركاً.

3- دير سيدة إيليج في ميفوق في أعلى بلاد جبيل، وأقام فيه 20 بطريركاً طوال 320 سنة.

4- دير سيدة وادي قنوبين في جبة بشري وسكن فيه 23 بطريركاً طوال 383 سنة.

5- دير سيدة بكركي في منطقة كسروان، وأصبح منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر المقر البطريركي الماروني وأقام فيه حتى اليوم 10 بطاركة.
سيبقى تاريخ الكنيسة المارونية تاريخ كنيسة وشعب في آن واحد، وإستمراراً لمسيرة انطلقت في القرن السابع، وكانت بذورها نمت إعتباراً من القرن الخامس مع مؤسسها ورهبانه، وفي جميع العصور لم تقتصر مهمة الكنيسة المارونية بقيادة بطاركتها على تدبير الشؤون الروحية والكهنوتية كما شأن باقي الكنائس، بل كان لها في الوقت ذاته قيادة وطنية تفرض عليها الاهتمام بشتى الأمور الزمنية لما فيه خير شعبها. وشكّل الصرح البطريركي الذي تنقل ما بين كفرحي ويانوح وايليج وقنوبين وبكركي على مر السنين مرجعية قد تكون الأهم في الشرق قاطبة، وحتماً يلي مباشرة أهمية الكرسي الرسولي في حاضرة الفاتيكان.

فالبطريركية المارونية مؤسسة لها تاريخها وعراقتها وقيمها وخطها الأصيل الذي لا يتغير ولا يتبدل، ومعروف أن البطريرك الماروني هو لجميع أبنائه، ويتخذ المواقف التي تحمي الكنيسة وتحصن الوطن. إنه نهج جامع وحيادي أعطى البطريركية المارونية بعداً وطنياً وجعلها رمزاً يُشعر الجميع بأن الصرح البطريركي هو بيته.

والبطريركية المارونية بنيت على قواعد دينية – روحية وليس على معطيات سياسية – دنيوية، وهي إزدهرت ببطاركتها أصحاب العلم والمعرفة والفكر والقداسة.
هذا هو الأصل الذي تتمسك به البطريركية المارونية وتعتمد عليه وتواجه العواصف راسخة من دون جزع أو ترجّح، ولعل كل ذلك يفسّر لماذا يعود الموارنة وباقي الطوائف المسيحية والاسلامية في أزمنة المحن إلى البطريرك الماروني لإيجاد حلول لأزماتهم الكيانية، كما يعودون في الظروف العادية للاستئناس بآراء البطريرك الماروني وحكمته وتطلعاته الوطنية والدينية. والمغتربون الموارنة ما زالوا يراجعون البطريركية المارونية حتى في الأمور البسيطة.

ولا يخفى على أحد أنه لولا البطريركية المارونية لما كانت النهضة اللبنانية الروحية والثقافية والعلمية والعمرانية، ولما كان استقلال جبل لبنان الذاتي طوال سنوات طويلة، ولا كان لبنان الكبير بحدوده الحالية، وحتى في زمن الوصاية السورية الأخيرة فمن المؤكد أنه لولا الدور الذي لعبته البطريركية المارونية لما تحقق استقلال لبنان الثاني.

باختصار يمكننا التأكيد أيضاً أنه لولا البطريركية المارونية المتحصنة في جبل لبنان لما بقي مسيحي في الشرق من نساطرة إيران إلى مسيحي جنوب السودان.
يروي الدكتور فؤاد إفرام البستاني أنه خلال مشاركته منتصف ستينيات القرن المنصرم في إحتفالات مرور ألف عام على ولادة قورش العظيم التي أقيمت في طهران، إلتقى “بكاثيلوكوس الطائفة المسيحية النسطورية السريانية الشرقية” التي ينتشر أتباعها في شمال العراق وكردستان وبعض مناطق إيران، وسأله عن أوضاعهم فرد البطريرك النسطوري السرياني، الذي لم يكن زار يوماً لبنان: “قوتنا من قوة بكركي فطالما بكركي قوية فنحن أقوياء، وعندما تضعف نضعف نحن”.

هذا كان وسيبقى دور البطريركية المارونية، وعلى هذا النهج تتابع مسيرتها الخالدة. ألا سدد الله خطى بطريركنا مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى ومجلس الأساقفة لما فيه خدمة شعبنا الماروني واللبناني والمسيحي في الشرق وعزة واستقلال وسيادة وحرية وطننا لبنان.

Leave a Reply