جبران ونعيمة في قلب لبنان

Gibran Neihme

 

بقلم د. طارق شدياق

محاضرة ألقيت في القاعة الكبرى في كنيسة مار الياس – أنطلياس

بدعوة من مجلة “دزاغيك” الأدبيّة الثقافيّة.

مساء الأحد في 23 من آذار 2014.

أيّها الحضور الكريم.

أبدأ أوّلاً بشكركم جميعاً على حضوركم اليوم هذا اللقاء وفيه سنلج إلى الحبّ الكبير للبنان من قبل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ØŒ مسقط رأسيهما، بشكل رئيسيّ، وحبّ لبنان وتعامله مع هذين الرائدين الكبيرين من روّاد النهضة اللبنانيّة، وبالتالي العربيّة، ومع ما أتوا به من إصلاحات إجتماعيّة ووطنيّة على أكثر من صعيد. فبإتّصالات واجتماعات متلاحقة مع الأستاذ هاغوب دنيايان، عن مجلّة “دزاغيك”ØŒ إتّفقنا أن يفترض العنوان، وهو الذي يحمل حبّاً طالما نحن نتكلّم عن القلب، السير بالإتجاهين المذكورين: مسألة حبّ هذان الكبيران للبنان ومسألة حبّ لبنان لهما.

وقبل ذلك، أودّ أن أشير إلى أنّنا أتينا بصورة عن سجّادة حائط من إرث جبران كانت معلّقة على حائط في محترفه في نيويورك، هي إذاً من ممتلكاتنا نحن في لجنة جبران الوطنيّة، رسمها فنّان أرمني الأصل يدعى “الأب يعقوب” منذ أكثر من أربعمائة سنة، وقد حصل عليها جبران من متجر في نيويورك نفسها. إنّ هذه الصورة تجسّد المسيح المصلوب كما لم يرسمه أحد من قبل. فلنلاحظ، أنّ عينا يسوع مفتّحتان دلالة على وعي المصلوب لما يدور حوله، وأنّ كفّ يد يسوع اليسرى، تقبض على المسمار المغروز فيها دلالة أنّه هو الذي اختار هذا المصير، وإنّ الكأس المرّ هو الذي ارتضى أن يشربه، وأنّ كف يده اليمنى وفيها السبابة والوسطى مفتوحتان ليبارك بهم البشر ويدعوهما إلى الخلاص. ولنلاحظ أيضاً أنّ لا دماء في الرسم أبداً، لا على اليدين أو الرأس أو القدمين دلالة على أنّ يسوع لم يجبر على الصلب بل أتى إليه باختياره. هذه الطريقة في رسم المصلوب نادرة، وحيدة على ما يبدو في العالم، تأخذ من الإتّجاه الفنّي للأيقونات الشيء الكثير، ومن دقّة حياكة سجّادات الحائط، إبداعها الفريد من نوعه. لقد أحببنا في لجنة جبران أن نريكم هذه الصورة، هذه السجّادة النادرة، علّنا بها ننفي ما يمكن أن يدّعيه أيّ كان من أنّ جبران كان ملحداً.

ونعود إلى لقائنا …

ونسأل ما هو هذا اللبنان الذي أحبّه حتى الوله كلّ من جبران ونعيمة؟

– هو أوّلاً، لبنان مسقط الرأس، وبالتالي هو الحنين إلى المنهل الأوّل، إلى المكتسبات الأولى، إلى الصورة الأولى من هذا العالم التي تنطبع في الذهن منذ عهد الطفولة، والتي تطبع العالم بها. فلا يعود واحدنا قادرٌ أن يستوعب صورة العالم الأولى من دون صورة مسقط رأسه الأولى، ومن دون هذا الحنين. هي ذكرى البيت الأوّل، والرفاق الأوّلون، والمدرسة والتراث الضيعوي، والأهل والأقارب، والمدرسة الأولى والمعلّمون الأوّلون … إلخ …

كتب جبران في هذا الصدد في العام 1908 لصديقه أمين غريّب المسافر من أميركا إلى لبنان، محملاً رسالته مطلباً نابعاً من القلب:

“… أُذكرني يا أمين عندما ترى الشمس طالعة من وراء صنين أو من وراء فم الميزاب، واذكرني عندما ترى الشمس جانحة نحو الغروب وقد وشحت الطلول والأودية بنقاب أحمر كأنها تذرف لفراق لبنان الدماء بدلاً من الدموع، واذكرني عندما ترى رعاة المواشي جالسين في ظلال الأشجار ينفخون بشبّاباتهم ويملأون البرية الهادئة بالأنغام مثلما فعل أبولون عندما نفته الآلهة إلى هذا العالم، واذكرني عندما ترى الصبايا الحاملات على أكتافهن آنية الماء، واذكرني عندما ترى القروي اللبناني يفلح الارض أمام عين الشمس وقد كلّلت قطرات العرق جبينه وألوت المتاعب ظهره، واذكرني عندما تسمع الأغاني والأناشيد التي سكبتها الطبيعة في قلوب اللبنانيين، تلك الأغاني المنسوجة من خيوط أشعة القمر، الممزوجة برائحة الوادي، المنسوجة مع نسيمات الأرز، واذكرني عندما يدعوك الناس إلى الحفلات الأدبية والاجتماعية لأن ذكري عندئذٍ يعيد إلى نفسك رسوم محبتي لك، وشوقي إليك يجعل لكلامك معاني مزدوجة ولخطاباتك تأثيرات روحية. المحبة والشوق يا أمين بداية ونهاية أعمالنا”.

وكتب نعيمة مقالة رائعة معبّرة عن هذا الحنين بعنوان لبنان يقول:

” … لأني , وقد طوّفت بعيداً في بلاد الله، ما عرفت بقعة توافرت في تكوينها وفي مركزها من الأرض مظاهر الحسن والروعة والجلال مثلها في لبنان. ناهيك بالفصول تتعاقب فيه بأقصى الدقة ومنتهى النظام والاعتدال. فلا الشتاء يجور على الربيع، ولا الربيع يطمع في الصيف، ولا الصيف يأخذ من حصة الخريف، ولا الخريف يعتدي على ما قسم للشتاء. وإنها لمتعة لا تملّها العين، ولا ترتوي منها الأذن، ولا يشبع منها الخيال أن ترقب قوافل الفصول تدرج من شاطىء البحر في لبنان الى القمم، ومن القمم الى شاطىء البحر، وقد قطرت أوائل هذه بأواخر تلك، فراحت كلّ قافلة تنثر في طريقها ممّا احتوته أعدالها : فهذه تنثر أزهاراً وأنواراً، وأغاريد أطيار، وهدير شلالات، ووشوشات نسمات. وتلك بقولاً وحبوباً وثماراً، ونهارات محمومة بالعمل، مغسولة بالعرق، وليالي تتغامز كواكبها في غمرة من الأنس والسلام. وهاتيك تنثر بروقاً ورعوداً وعواصف وفلذات تصعد من البحر مع الريح فتنثرها الريح على الجبال واذا بها وشاح فائق البياض والسناء.

وقال جبران في مكان آخر: “بشريّ موطن قلبي”. كلمات لا تخرج إلاّ عن الشوق والحنين إلى أيّام خلت.

وقال نعيمة عن الشخروب، المكان الأحبّ عنده: “فالشخروب كان، وما برح «الجرد» الذي إليه نلجأ في الصيف لنستغل من ترابه ومائه وهوائه ما استطعنا من العافية وضروريات العيش. وقد شاء لي ربّان حياتي ان استغل منه (الشخروب) ما هو أثمن حتى من العافية ومقومات العيش”. (من كتاب “سبعون – الجزء الأول”)

– ثانياً، حبّ لبنان تجلّى عندهما بالفخر أنّهما ينتميان إليه. لبنان إذاً هو الإفتخار به.

كتب جبران في 25/4/1926 في مجلة “العالم السوري” لسلُّوم مكرزل (وكان جبران ينشر فيها جديده بالإنكليزية) موجهاً كلامه إلى رفاقه اللبنانيين والعرب في أميركا:

“أن تكون مواطناً صالحاً، يعني أن تقف أمام أبراج نيويورك وواشنطن وشيكاغو وسان فرنسيسكو قائلاً في قلبك: “أنا سليلُ شعب بنى بيبلوس وصور وصيدا، وها أنا الآن هنا لأبني معكم”

ومن مقال ” قالوا استقلّ لبنان” لميخائيل نعيمة:

فأنت، على صغرك وضعفك بين الأمم، أتيت معجزةً ما أتتْها أكبر الأمم وأقواها، منذ بدء التاريخ حتى اليوم: فلا مصر رعمسيس، ولا بابل نبوخذنصَّر، ولا آشور شلمنصر، ولا مقدونية ذي القرنين، ولا رومة قيصر، ولا السند ولا الهند، ولا العجم ولا العرب، ولا أي دولة من دول الزمان الأخير، تمكنتْ من أن تقبض يومًا على مفتاح ذلك الكنز الذي لا يُثمَّن – كنز الاستقلال.

– وتجلّى حبّ لبنان، ثالثاً، عندهما باعتباره أرضاً مقدّسة:

نقرأ من ميخائيل نعيمة: فموسى الكليم اذ يضرع الى ربّه أن يريه أرض الميعاد لا ينسى لبنان : ” دعني أجوز فأرى الأرض الصالحة التي في عبر الأردن وهذا الجبل الحسن – لبنان ” واللّه المتكلّم بلسان النبيّ هوشع لا يجد ما يمثل به وعوده الطيبة لاسرائيل أفضل من لبنان اذ يقول :

“وأكون لشعبي كالندى فيزهر كالسوسن ويمدّ عروقه كلبنان. وتنتشر فروعه ويكون بهاؤه كالزيتون رائحته كلبنان فيرجع الساكنون في ظلّه ويحيون بالحنطة ويزهرون كالكرم ويكون ذكره كخمر لبنان”.

وداود الملك يشبه الصديق بأرز لبنان، وعندما يتنبّأ لشعبه عن الخير الذي سيغدقه عليه اللّه يقول ان ” غلته في رؤوس الجبال تتموّج كلبنان”.

وأما سليمان الحكيم فيدعو اليه حبيبته شولميت من لبنان : ” هلمي معي من لبنان أيتها العروس ” وشولميت تقول في حبيبها : “ساقاه عمودا رخام موضوعان على قاعدتين من ابريز. وطلعته كلبنان. هو مختار كالأرز.”

في أكثر من رسالة يقول جبران لماري هاسكل بأنّه يحلم في نومه بيسوع، ولكنّه لا يتراءى له يسوع إلاّ في لبنان.

ويقول جبران عن يسوع:

“مرّة كلّ مائة سنة يلتقي يسوع الناصري بيسوع النصارى، في حديقة بين جبال لبنان، فيتحادثان طويلاً، وفي كلّ مرّة ينصرف يسوع الناصري وهو يقول ليسوع النصارى: أخشى يا صاحبي أنّنا لن نتّفق أبداً أبداً” من كتابه رمل وزبد.

– وتجلّى حبّ لبنان عندهما أيضاً بالإهتمام بالشأن الإجتماعي والوطني وإيجاد الحلول لمشاكل أساسيّة في المجتمع، وذلك دليل على حبّهما لشعب لبنان:

انطلاقاً من هاتين الشمولية والكونية، وقف يوماً ميشال حلبوتي، أحد المسؤولين في “مؤسسة جبران الأميركية” في هيوستن تكساس يقول خلال العمل على إعداد حديقة جبران:

“ولِد جبران في ظلال أرز لبنان، ولم يُبدِ أحدٌ قبله أو مثله هذه المقاربة من الحياة ومعانيها. كان يمثّل روح لبنان، وكتاباته بلغَت أعمق ما في القلب من معان روحية وعاطفية. أحَب لبنان في جموح لم يعادله إلاّ حبُّه شعبَ لبنان”.

لقد كتب جبران مئات المقالات التي تدعو اللبنانيّين إلى عيش رسالة لبنان الحضاريّة. ولكنّه أدرك بعد حين أنّ كلماته ذهبت في مهبّ الريح. فانتفض في مقال وجّهه “إلى بني أمّي” يعلن أنّه بات يكرههم بسبب خمولهم ورقادهم وتقاعسهم عن السير بركب المسيرة الإنسانيّة.

” أنا أكرهكم يا بني أمّي لأنّكم تكرهون المجد والعظمة. أنا أحتقركم لأنّكم تحتقرون نفوسكم. أنا عدوّكم لأنّكم أعداء الآلهة ولكنّكم لا تعلمون”.

وكتب ميخائيل نعيمة تحت عنوان “قالوا استقلّ لبنان”:

“فأنتَ (لبنان) ما وسَمَتْك الطبيعةُ بميسم الجمال لتجعل منك بوقًا للشناعة. ولا وضعتْك من الأرض موضع القلب لتعود فتضعك منها موضع العقب. ولا كوَّنتْك حصينًا لتجعلك معملاً للسلاح، ومعقلاً للحرب، وخمَّارة للخلاعة، ومنوالاً تُحاك عليه شِباكُ السياسات. ولا رفعتْك عاليًا لتعفِّر جبينَك بحمأة الضغائن والفتن. ولا غسلتْ أقدامَك بماء الطهر، وكحَّلتْ أجفانَك بمرود النور، وبرَّدتْ قلبَك بندى السلام، لتعود فتغرقك في بحار من الدم!

ولم يعش جبران بعيداً بحسه وفكره عن بني قومه، بل إن العبودية التي يرسف في أغلالها وطنه، كانت تمزّق وجدانه، والثورة على الظلم والضعف والتخلّف، تجعله يصرخ بأعلى صوته منادياً الحرية. أوجاع بلاده القديمة، ظلت تلاحقه فإذا به مع أيوب تابت وشكري غانم يؤسسان نواة حزب كانت شاغله السياسي لاحقاً خصوصاً بين 1912 Ùˆ1920. لقد أثّرت الحرب العالمية الأولى مع ما رافقها من أهوال في جبران تأثيراً كبيراً، مما دفعه الى انتهاز كل الفرص والمناسبات لمساعدة أبناء قومه بجميع الوسائل، في هذه الفترة كتب مقالة “مات أهلي”ØŒ وفي سنة 1917 شغل منصب أمين سر “لجنة إغاثة المنكوبين في سوريا ولبنان، وراسل أبناء وطنه المقيمين في أميركا وباريس محاولاً إقناعهم بالسعي لتحقيق استقلالهم عن طريق الثورة. لكن جبران لم يخلق ليكون سياسياً، فانقطع عن العمل السياسي منصرفاً الى الأدب والرسم، وأسس في بيته “الرابطة القلمية”ØŒ وانتخب عميداً لها سنة 1920ØŒ سنة بدء اضطراباته الصحية بالظهور.

تفاعل جبران مع قضايا عصره، وكان من أهمها التبعية العربية للدولة العثمانية والتي حاربها في كتبه ورسائله. وبالنظر إلى خلفيته المسيحية، فقد حرص جبران على توضيح موقفه بكونه ليس ضِدًا للإسلام الذي يحترمه ويتمنى عودة مجده، بل هو ضد تسييس الدين سواء الإسلامي أو المسيحي.

بهذا الصدد كتب جبران في مقال وصفه بأنه رسالة “إلى المسلمين من شاعر مسيحي”:

” أنا لبناني ولي فخر بذلك، ولست بعثماني، ولي فخر بذلك أيضاً.. فنقلوا عنه: «هو فتى جحود يكره الدولة العثمانية ويرجو اضمحلالها». وكأنّه يردّ: “إي والله لقد صدقوا، فأنا أكره الدولة العثمانية لأني أحب العثمانيين، أنا أكره الدولة العثمانية لأني أحترق غيرة على الأمم الهاجعة في ظل العلم العثماني. أنا أكره الدولة العثمانية لأني أحب الإسلام وعظمة الإسلام ولي رجاء برجوع مجد الإسلام.

أنا لا أحب العلّة، ولكنني أحب الجسد المعتلّ، أنا أكره الشلل ولكنني أحب الأعضاء المصابة به. أنا أجلُّ القرآن ولكنني أزدري من يتخذ القرآن وسيلة لإحباط مساعي المسلمين كما أنني أمتهن الذين يتخذون الإنجيل وسيلة للحكم برقاب المسيحيين”.

“خذوها يا مسلمون، كلمة من مسيحي أسكن «يسوع» في شطر من حشاشته، و«محمداً» في الشطر الآخر. إن لم يتغلب الإسلام على الدولة العثمانية، فسوف تتغلب امم الافرنج على الإسلام. إن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء”.

لقد كانت له ما يشبه الرؤية النبويّة في هذا الصدد. وسيقول لحبيبته “ماري هاسكل” فيما بعد، في رسالة موجّهة إليه في العام 1916 ما معناه:

” إن شعبي، شعب جبل لبنان، يموت بمجاعة خطّطت لها الحكومة التركيّة. مات حتى الآن ثمانون ألف نسمة ويموت كلّ يوم الآلاف منهم. إنّ الحكومة التركيّة تخطّط لهذا القتل الجماعي كما فعلت في مجزرة الأرمن”.

كان كلّ العالم يعرف بالمجزرة الأرمنيّة ولكنّه كان صامتاً. لأنّ العالم مبنيّ على المصالح للأسف.

هكذا أحبّ هؤلاء وطنهم، فكيف تعامل الوطن معهما.

في محاولة منّا لإيفاء هذه المسألة حقّها، لنتعرّف على الفكر النهضوي أوّلاً ولو بكلمات قليلة:

1 – في مكانة الأديبين الأدبيّة ومكانة جبران العالميّة.

هي المكانة عينها التي لروّاد عصر النهضة جميعاً. عملوا على تشذيب اللغة العربيّة من ناحية حتى يتجانس الفكر والكتابة، وثاروا على الظلم الإجتماعي من ناحية فدعا إلى تثبيت حقوق الناس بعد أن بيّنا أهميّتها في عمليّة الترقّي الإنساني. طالبوا بحقوق المرأة، وكافّة الحقوق المدنيّة من حرّية على تعدّد أشكالها وتعليم وإستشفاء، و بكلّ ما يعرف اليوم بشرعة حقوق الإنسان.

بالنسبة لجبران، فمعروف أنّ شهرته تعدّت لبنان والعالم العربي لتطال أكثر بقاع الأرض. فما زال جبران الأوّل من حيث مبيع كتبه، وخاصّة النبي، في الولايات المتّحدة الأميركيّة، فكتاب النبي يحتلّ ومنذ سنوات طويلة المرتبة الثانية من حيث مبيع الكتب بعد الكتاب المقدّس. وما زال جبران يتفوّق من حيث المبيع على منافسين شرسين إثنين في العالم هما: شكسبير ولاوتسو.

وعليه، لا مبالغة إذا قلنا أنّ العالم كلّه حمل جبران في قلبه منذ ما قبل وفاته وحتى الآن.

فهل كان جبران، ونعيمة، وكلّ روّاد النهضة في قلب لبنان؟

– على مستوى لبنان الشعبي.

لا شكّ في أنّ اللبنانيّين يفتخرون بجبران وروّاد النهضة. هم يعرفونهم ويشيرون إليهم في كلماتهم باستشهادات كثيرة من أقوالهم. فبمجرّد السؤال لعموم الناس عن جبران أو عن نعيمة أو عن آخرين من روّاد النهضة، سنجد أنّ الأكثريّة تودّ لو تتشبّه بهم وتفتخر بكونهم لبنانيّين. لكن، السؤال عن الفكر الذي قدّموه، أو البحث الإجتماعي الذي قاموا به، يبقى وعند الأكثريّة مجهول الإجابة أو في حدّه الأقصى غير واضح كلّ الوضوح. وللأمر سبب ولا شكّ، وهو سنأتي على ذكره لاحقاً. ولكن قبل، لنتعرّف ولو بإيجاز على مضمون الفكر الفلسفي عند جبران، فنعرف بذلك مضمون الفكر النهضوي عامّة، لنعيمة وآخرين.

2 – في فكر جبران الفلسفي

الفكرة الجبرانيّة التي دعا إليها هذا النابغة ما زالت حيّة في العالم. وهي تقوم بإيجاز شديد على: المحبّة الإنسانيّة التي مجّدها جبران في كتابه “النبي”ØŒ والسلام العالمي، والإخاء بين البشر. وهي ثلاثة أقانيم تتّحد في مسيرة إنسانيّة واحدة على درب إنسانيّة واحدة متّجهة حكماً صوب النور.

يقول جبران (من كتاب دمعة وابتسامة): “أنت أخي، وأنا أحبّك، فلماذا إذاً تخاصمني؟” … ويتابع: “أنت أخي وأنا أحبّك ساجداً في جامعك، وخاشعاً في هيكلك، وراكعاً في كنيستك … وأنت وأنا أبناء روح واحدة، أبناء إله واحد”.

هذه باختصار فلسفة جبران الإنسانيّة. بالطبع إنّ الغوص في فكر جبران يتطلّب الكثير من التعمّق والتأمّل والتفكّر به، وهو خارج أمسيتنا اليوم نظراً لما سيستهلك من وقت لإتمام شرحه. ولكنّي اختصرته في إطار عام يفيد المناسبة. ندرك إذاً أنّنا بأمسّ الحاجة إليها (فلسفة جبران وأقواله) اليوم، نحن في لبنان.

3 – في الحاجة إلى جبران وروّاد عصر النهضة في أيّامنا هذه. (السياسة التربوية والثقافيّة).

هدف مؤتمر ماريلاند الذي أقيم في جامعة ماريلاند في الولايات المتّحدة الأميريكيّة كان إيجاد حلول من جبران لكلّ مشاكل العالم. (كلمة عن المؤتمر وأبحاثه المقدّمة من 35 دولة). فأليس بالحريّ بنا أن نفتّش عن حلول لمشاكلنا في هذا الوطن عن طريق جبران ونعيمة وروّاد النهضة اللبنانيّة العربيّة؟ … ولكن الذي حصل هو أنّنا انتزعنا من المنهج التربويّ كلّ جبران والنهضويّين، مكتفين بقطعة أدبيّة شعريّة، عادة تكون قسماً من مقالة لكم لبنانكم ولي لبناني.

هذا على المستوى التربوي، أمّا على المستوى الثقافي فالأمر يماثل ما فعلناه على المستوى التربويّ. فلا دعم للمتاحف الخاصّة بهؤلاء في وقت نستطيع المفاخرة بهم واستحداث متاحف لأكثر من إسم نهضويّ لخلق سياحة ثقافيّة إنسانيّة في لبنان. ( يمكن، بالإضافة إلى متحف حبران القائم في بشرّي، استحداث متاحف للكثير من روّاد النهضة، أقلّه لهؤلاء: شارل مالك في بطرّام، مارون عبّود في عين كفاع، أمين الريحاني في الفريكة، إبراهيم اليازجي في بيروت، أحمد فارس الشدياق في حدث بيروت، المعلّم بطرس البستاني في الشوف …. الخ…). أمّا أن تربط هذه المتاحف في استرتيجيّة ثقافيّة واحدة وخلق سياحة ثقافيّة تدور حولها لا يجب أن يبقى من الأحلام.

4 – الحاجة لجبران وآخرين في السياسة الإجتماعيّة.

كان الشأن الإجتماعي الهدف الأوّل لثورة جبران على الظلم في وقته. فدعا إلى حقوق المرأة، ( وهو أوّل من جعل المرأة تصف هواجسها بنفسها، إذ كان الرجال يتكلّمون بإسمها قبله)ØŒ والحرّية، وقبول الآخر المختلف، وحرّية إبداء الرأي، وحرّية المعتقد … والكثير من الحقوق التي تجسّدت فيما سيعرف بعد ذلك بشرعة حقوق الإنسان.

إذاً إنّ أيّ عمل إجتماعي مفيد من الذي ذكرناه سيكون حتماً تكريماً لجبران وروّاد عصر النهضة.

5 – في دور الجمعيّات الأهليّة.

هذا لا يعني انّ الأمور سوداويّة إلى هذا الحدّ. فبفضل الجمعيّات المدنيّة الثقافيّة والإجتماعيّة يتمّ التعرّف على جبران وعلى ما دعا إليه. والحال، فنحن لا يسعنا إلاّ أن نشكر القيّمين على مجلّة “دزاغيك” الأدبيّة لمبادرتها الثقافية بإحياء هذه الأمسية.


في 23 آذار 2014