المفكرة الريفية

pine-trees-and-house-ghazi-toutounji

أمين نخله
دواة في الريف

الحبر، ويحك، نور أسود وكنز سائل! وهو عطر الدفاتر، وشبع الفراغ، وري البياض، وغيث الورق. بل هو نقش الهوى، ولون العقول في القرطاس، فما لك تخشى على أطراف أصابعك أن تشاب بسواده؟!

وليس من شيء هو ألذ في الشم، ولا أضوع، ولا أقرب الى مرتبة التشهي، من حبر جديد، في كتاب جديد – تمر يدك عليه، فكأنك تمس حركات الخواطر برؤوس أناملك… بل ان هذا النسيم، الذي تؤديه أفواه الدويات، لأطيب من فم الحبيب، ومن نفسه، ومن “زمان الوصل بالأندلس”…

وخير المداد: الأسود- فهو خبز الجميع! أما ما كان منه أحمر باحرا ً، أو أصفر وارسا ً، أو أخضر حانئا ً، فبحسبك من الكلفة فيه، معرفة هذه النعوت التي له! وخير ما يغط في حق الذوق ومدهنة الرأي: قصبة نبتت في بسيط أفيح، وعاشت على طلاقة، وضياء، وماء، تلعب بين الرياح بلا معارض، ثم بريت على هواك، وشقت على خطتك في تحريك القلم.

وبعد، فيا عجبا ً لهذه الدواة، في هذه الزاوية من الريف، كيف نسيت بلا ختم! أفلا يخشى الذي ترك هذا القمقم السحري بلا سداد أن تهيج رائحته وتطير الى أنوف الفلاحين؟!.

على درب الريف:

الدرب في الريف غير الدرب في المدينة ! فهي التي تنهض من وهدة الى ربوة، وتدور من خلف شجرة، وتعرج على عين ماء، وتتوقف في ظل حائط، وتنطرح على باب بيت- تمشي على هواها، والدرب في المدينة تمشي في خط مستقيم…

والدرب في الريف بيضاء، تتلوى في خضرة، وهي في المدينة سوداء، فاحمة، يعوزها الشجر، على الجانبين، لتأنس بعض الأنس، فوق ذلك السواد الطويل!

وعلى دروب الريف تعرف عابر السبيل من وقع خطوه، وعلى رصفات الشوارع تتشابه الأقدام جميعا ً، في الحركة.

وكل درب في الريف قديم. فيقال، عندنا: فلان حول دربه عنا – يعنون أنه غير عهده، أو يقولون: فلان حول الدرب الى جهة كذا – يعنون أنه غير معالم الحد، وخرج على القانون… لذلك تجد الدروب الريفية محطات للتذكر: فها هنا زفت عروس، وهناك خرجوا بنعش، وهنالك وقفوا، ولوحوا بالمناديل…

خيمة البركة

في الريف ظلان يحلو لظهر الأرض حملهما: ظل الشجرة، وظل الفلاح! يدل الأول على أن التربة جيدة، ويدل الآخر على أنها تعطي، فلا ينبغي أن تترك. فكأن ظل الشجرة وفاء من الأرض للفلاح، وكأن ظل الفلاح وفاء منه للأرض!

والشجرة في الغابة كالرجل في الشارع: لها ألف نظير. فأما حين تنفرد في حقل، أو على رابية، أو عند منعطف طريق، فهي ملعب الريح، وملتقى الطير، ومائدته، ومرقص مناقيره بين الورق والثمر…

فيا خيمة البركة: هنيئاً لك بانفرادك!

صلاة العنز

رب! سجدت لك على ركبتي، وخفضت قرني، هذين، من فرط الخشية! فامسح الأرض عشبا ً، وورقا ً أخضر، واطلق حياض الماء، واملأ الصهاريج، ومد بساط الظل في أذى الهواجر.

رب! واجعل قلوب الرعيان تخفق من رحمة، وعصيهم تملس من ليان، وقصبات مزاميرهم تسيل من طرب.

ويا رب! أسألك بالغمام اذا نهض، والغيث اذا سقط، وبهذه اللجج من الخضرة، كما أسألك بالدرب والمرعى، والقربة والعصا، وبالجلجل وطنينه، وشبابة القصب وحنينهما، أن لا ترسل بي الى المدينة – آمين…

جاء نيسان…

قدوم سعد، وعود يمن – ان شاء الله! وأهلا ً وسهلا ً بالقمر. ويا فرحتا باللون الأخضر، والنسيم الطفل، وبذم فم البرعم، وبحركة العصفور… ولولا ثقل الوهاد، لقام الريف لنيسان كما يقام للأجلاء!

فيا غيثا ً، ويا غوثا ً، ويا خير قادم: الأرض عجيج مسيل، ورجفان طرب، الى زهر أبيض، يضحك ويتهلل، كأنه رقاع المواعيد تتفتح… فمن للنازح التارك بمن يقول له: جاء نيسان، فجىء الينا، تنهض من بعد الى قرب، ومن فرقة الى لقاء، ونسيم أهل!!

ويا هذا الفلاح، الأسمر- ذا اليد الجافة من العمل – والذي خرج، على بركة النهار، الى حقل كأنه منديل عروس، فلما دار ألف بقعة، وارفض عرقا ً أسند ظهره الى جذع شجرة، وجلس يكتال الريح: هنيئا ً، مريئا ً، وعرق عافية بأذن الله…

الفراشة البيضاء

تحط وتنهض، ولا حطت ولا نهضت! بل جاءت في سياق الهواء، تلتمس بطرف جناحها ورقة النبتة، فلما أحست النداوة من قريب أقلعت بالجناح. ويا لطف مقامها بين ورقتين! تسأل، حينئذ نفسك: أخضراء أو بيضاء! ونبات بروح، أو روح بنبات؟!…

أخبار صغيرة

اذا أمسكت السماء، في الريف، فلا سحابة، ولا عارض، ولا حركة لنسيم الريح، استمطروا بعنز سوداء، يعكس رأسها، ويهز قرناها نحو الجهات الأربع، فيقع المطر.

فهذه السماء العالية يشجيها أن ترى عنزة عطشى!

– واذا عافت الغنم الماء، وورد الكبش وحده، تشاءموا بذلك على الغنم، وتوقعوا أنكد شيء.

وعلى الحقيقة أنه سيكون من النكد، في الأيام، أن يروى الكبش، دون الغنم…

– وبالشجرة المستوحدة يعقدون الخيطان، ويعلقون عليها الجلاجل، ومقاطع الزجاج، عسى أن تساء في العيش أعاديهم وتسر أصادقهم.

فالشجر، أيضا ً، يفهم بلغة القرابين!.

وربما عقد واحدهم بتلك الشجرة خيطاً لامرأته، وغاب عنها زماناً ، فان خانته حل الخيط، من نفسه.

أي عقدة بعقدة – وواحدة لواحدة لقاء!

– واذا أرادوا صرف العاشق الواله عن هواه، جاؤوا بمنديل صاحبته، فغمسوه في عين خرارة، في أصل الجبل، واستقبلوا وجه الشمس.

فلا يلبث ذلك العاشق حتى يحمل، على توالي الأيام، ودوران الشمس، الى السلوان، فينسى صاحبته…

– ويصاب واحدهم بعلة في عينه فيجاء له بخرز زرق تعلق في عنقه، فيشفى من شكاته.

يشفى بالزرقة…

أغاني ريفية

أغنية الابريق

على ذكرك الشهي تقوم القيامة في ضمير العطش، وفي طلعتك اللؤلؤية ترقص الأحشاء!

تصب في الحلق – يا شلال الشفاء، ومدد الجوف، وزغردة الانشراح – فينطفىء الغليل وتثلج الجوانح. كأن للماء المريء سبيلاً الى النفس اليابسة!

ولأنت – أيها الابريق – وعاء الانتعاش، واناء الالتذاذ، وقربة الاستطابة، وجام القهقهة، وزق البلور الذائب، ودن البرد والسلام! ويطول بي القول جدا ً قبل أن تفيك بعض الحق هذه الكلمات المبلولة بمعاني نعوتك…

ولقد أعرف ابريقا في يد غضة، بضة، أخذ من لونها لونه، ومن شميمها شميمه، وجاء مكللا بماء الزهر، أو بماء الورد، أو بماء تلك اليد… يتصبب ويلتمع! فاذا أقبل، حسبت أنه يهرول اليك، في حين أنك أنت تهرول! تأخذ بكفيك عنقه، وعروته، وتكاد لولا أهل المجلس، تأخذ بفمك بلبلته، تمصها مصا ً!!

ويا رب ابريق، سعت به أصابع ريفية – سالت في رشح الماء أصابعها، فلما وقع الابريق في الأرض، أخذ أهل الريف يؤرخون بعام كسره…

أغنية المغزل

في صحن الدار المشتجر بالزرع، وبين المعاصم والدمالج، والغلائل، والقمصان الرقاق، يترنم المغزل ترنمه!

الله، الله، يا مغزل! ما أطرب دورانك في الأنامل الناعمة، ويا أضعاف طربك في الوقفة والحران.

ويا خيط المغزل: لا تنقطع! فبلاد الجبل أحق الديار بقميص العافية…