lebanonism.com Rotating Header Image

جبيل مهد الأبجدية

                                      
الأب أميل اده

 جبيل مهد الأبجدية

أقوال المؤرخين وعلماء الآثار

    أجمع المؤرخون القدامى على الاقرار بأن الفينيقيين أذاعوا ونشروا الحروف الأبجدية في الشرق ابتداءً من الدول المجاورة، وفي الغرب ابتداءً من اليونان.  نذكر ، على سبيل المثل ، كلام المؤرخ اليوناني هيرودوتس، من الجيل الخامس ق. م. : ” هؤلاء الفينيقيون الآتون مع قدموس أدخلوا عند اليونان كثيراً من المعارف، من بينها الحروف الأبجدية التي، كما يظهر لي، لم يكن هؤلاء على علم بها قبلاً “.

    وفي الموضوع نفسه ذكرنا سابقاً كلام لوكانوس الذي كان صدى للرأي العام منذ زمن بعيد حتى أيامه .

    وأجمع كذلك المؤرّخون وعلماء الآثار في القرن الماضي وجيلنا القائم على الاقرار بفضل الفينيقيين على العالم كله، بسبب نشرهم في الشرق والغرب الأبجدية الفينيقية الشهيرة المعروفة باسم أبجدية جبيل.

 

    يقول في هذا المعنى الدكتور فيليب حتّي :

    ” لا شك بأن أعظم نعمة أسبغها الفينيقيون على الحضارة الانسانية كانت اكتشاف الحرف.  كان الفينيقيون أول شعب استعمل حروفاً هجائية صرفة في الكتابة.  وكانو الى جانب هذا ناقلي هذا الحرف وناشريه في العالم المتمدّن آنذاك” .

    وكتب ساباتينو موسكاتي :

    ” أحد أعظم أمجاد الفينيقيين ، وربما الأعظم على الاطلاق هو أنهم نشروا الأبجدية في بلدان المتوسط.  وليس من شك بتاتاً أن الفينيقيين علمّوا اليونان الكتابة الأبجدية، كما أن الفينيقيين واليونان أدخلوا هذه الكتابة في الغرب.

    ” هذا الحدث ثابت حقاً ويكفي لوحده أن يعطي الفينيقيين مكاناً ودوراً هامين في تاريخ الحضارة “.

    وكتب فيكتور بيرار في : ” قيامة هوميروس ” :

    ” اننا نعجز عن أن نفهم أي شيء من عادات آخيا الاغريقية وفنونها ونظرياتها ومعيشتها ولغتها، ان لم نأخذ بعين الاعتبار، في الدرجة الاولى، خدمات اولئك المربّين ( أي الفينيقيين ) الجامعة وتجارتهم بكل أصناف البضائع.

    ” وكيف السبيل الى الشك في أن بلاد الاغريق الأيونية وجدت كتّابها الأوائل وعلماءها وشعراءها في بلاط ميلات، بين الملوك الميلاتيين والارستقراطية القدموسية “.

    وذكر جورج كونتنو، في كتابه : ” المدنّية الفينيقية ” :

    ” بفضل ميلهم الى التجارة والملاحة، بسط الفينيقيون أسباب الراحة والرفاه وكل ما يعطي الحياة رواء.  وسواء اخترعوا الأبجدية أم لم يخترعوها، فانهم نشروها في العالم القديم وفتحوا آفاقاً جديدة للفكر وقدّموا بذلك للمدنيّة خدمة لا تقدّر” .

    وكما لاحظنا من قراءة هذا الكتاب ان الكاتب الفرنسي المذكور يعتقد تمام الاعتقاد أن الفينيقيين اخترعوا الأبجدية في مبدأها وأشكالها.  لكنه يفترض – وهو يعرف أن الافتراض غير صحيح – انه في حال الوصول الى برهان يثبت أن شعباً آخر غير الفينيقيين اكتشف الأبجدية، يكفي لهؤلاء الفخر في نشر هذه الكتابة في الشرق والغرب بسبب ما ينتج عن عملهم من نتائج عظيمة لخير البشرية.

    لا حاجة بعد الى ترداد أقوال المؤرخين القدامى والمحدثين عن هذا الاختراع العظيم – الذي اعتبر أعظم اختراع على الاطلاق في العالم القديم – ونسبته الى الفينيقيين.  الاجماع في هذا المجال واضح.  يكفينا أن نذكر أنه على احدى نقود مدينة طيبة  ( Thebes    ) اليونانية نقشت صورة لقدموس يعلّم الأغارقة الكتابة الأبجدية .

    وهناك نقد آخر لمدينة بيروت يمثّل اوروبا أخت قدموس على ظهر ثور يشق بها الأمواج، كما في الميتولوجيا اليونانية.  وقد أمسكت بقرنيه وهبّت الريح تتلاعب بمعطفها الأرجواني.

    ونقد ثالث لصور في القرن الثامن يمثّل قدموس في فناء الهيكل يعلّم فتيان اليونان حروف الهجاء الفينيقية الأصل.  وهكذا يغدو قدموس الصوري معلّم معلّمي العالم، حامل شعلة الثقافة الى الأغارقة الذين بدورهم حملوها الى العالم الغربي.

    وقد خصص الكاتب الفرنسي أناتول فرانس صفحات لقدموس والأبجدية في كتابه : ” حديقة ابيقور ” ، تخيّل فيها أن شبح قدموس زاره يوماً في مكتبه ودار بينهما حوار شائق نقتبس منه ما يلي :

    ” قدموس : لقد علّمت اليونان مبادىء جميع الفنون.  في مقابل ما أخذت منهم من القمح والخمر والجلود.  أعطيتهم كؤوساً حفرت عليها رسوم اليمام وتماثيل صغيرة من الفخار أخذوا في تقليدها منذ ذلك الحين، مع بعض التعديل حسب أذواقهم.  ثم منحتهم ألفباء لولاه ما استطاعوا أن يثبتوا ولا أن يوضحوا أفكارهم التي يعجبون بها الى اليوم.  هذا ما عمله قدموس العجوز… وما دام نصيبك من الذكاء يا سيدي أقل من أن يجعل منك تاجراً ولذلك فقد أصبحت كاتباً كما أرى، تكتب كما كان يفعل قبلك الأغارقة، فقد وجب عليك أن تكرّمني تكريم الآلهة لأنك مدين لي بالألفباء.  بالواقع، أنا لست مؤلفها.  فلم أوجدها الا لتسهيل أعمالي التجارية دون أن أتنبأ بما سوف تستخدمه فيها الشعوب الأديبة.  لقد كنت في حاجة لطريقة كتابة بسيطة وسريعة… ولو أني وجدت في متناولي كتابة جيدّة لما أجهدت نفسي في اختراع غيرها.  ولكني لم أجد أمنيتي لا في هيروغليفية الشعوب التي تسموّنها اليوم الحثيّة دون أن تعرفوها ولا في الكتابة المقدّسة المصرية.  وقد كانت هذه كتابات معقّدة بطيئة تصلح لأن تكسى بها جدران المعابد والمقابر أكثر من أن تحفر على ألواح التاجر.  أسلوب هذه الكتابات كلها كان رديئاً… ولكني بفكرة عبقرية اخترت اثنتين وعشرين علامة من العلامات الكثيرة لأجعل منها الاثنين والعشرين حرفاً التي يتكوّن منها الفبائي.  وهي عبارة عن رموز يمثّل كل منها صوتاً واحداً ويمكن بتجميعها – في سهولة وسرعة – تصوير جميع الأصوات بأمانة، ألم يكن ذلك عملاً رائعاً ؟

    ” أناتول فرانس : بل كان أروع مما تظن.  فنحن مدينون لك بحاضر عظيم.  فلولا هذا الالفباء ما دونت الخطب وما وجدت الأساليب ألادبية وبالتالي الأفكار الدقيقة والتجريدية والفلسفات المتقنة التركيب.  حقاً ان اختراعك لجميل وثمين جداً ولكنه جاء ناقصاً لأنك لم تفكر في وضع حروف الحركة التي اوجدها بعدك الأغارقة الأذكياء الذين كان من نصيبهم في هذه الدنيا أن يصلوا بكل شيء الى حدود الكمال.

    ” قدموس : حروف الحركة  !  لقد كنت دائماً معتاداً على خلطها ببعضها كما أظن انك لاحظت عليّ في هذه الليلة.  قدموس العجوز يتكلّم من حلقه.

    ” أناتول فرانس :  اني لأسامحه في ذلك بل وأسامحه… في كل شيء لأنه أهدى الى اليونان والعالم أثمن هديّة أي الاثنين والعشرين حرفاً التي يتكوّن منها الألفباء الفينيقي الذي منه اشتقّت جميع أبجديات العالم.  ولم تظهر على سطح الأرض فكرة دون أن تثبتها هذه الحروف وتحفظها.  فمن أبجديتك يا قدموس الالهي اشتقت الكتابات الاغريقية والرومانية التي انبثقت منها جميع الكتابات الأوروبية.  ومن الفبائك كذلك تفرّعت كل الكتابات السامية، من الارامية والعبرية الى السريانية والعربية.  وهذا الألفباء الفينيقي نفسه هو ابو الألفباء الحميري والحبشي وكل الفباءات آسيا الوسطى كالزند والبهلوي وحتى الالفباء الهندي الذي تولد منه الدفنجاري وكل الفباءات آسيا الجنوبية.  فما أعظم هذا النجاح العالمي !  انه لا توجد على وجه الأرض في هذه الساعة كتابة واحدة ليست مشتقة من الكتابة القدموسية.  فكل من كتب اليوم كلمة مدين بالجميل للتجّار الكنعانيين القدماء…”. 

    ان ما ذكر في هذا الحوار الذي اقتبسنا منه بعض فقرات هو مزيج من الميتولوجيا والتاريخ وخيال الكاتب.  ويستند أيضاً الى الرأي العام السائد في زمانه وفي كل زمان.  ومن الميتولوجيا والتاريخ تكوّنت أيضاً شخصية قدموس الذي يذكر المؤرخون أنه عاش في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد.  أمّا الأبجدية فنعتقد أنها عمل شعب أكثر منها عمل فرد.  وهي، بدون شك، أعظم اختراع للانسان في العصور القديمة لأنها كانت نقطة تحوّل في تاريخ الحضارة الانسانية وكانت ولا تزال أساً للفكر البشري ونشر الثقافة.  ولما كان الفينيقيون أشهر الشعوب القديمة في التجارة والأسفار البعيدة والتنقّل عبر البحار حملوا مع سلعهم التجارية حروفهم الأبجدية الى كثير من البلدان المجاورة والبعيدة.

    ومن الدواعي الهامة لسرعة انتشار الأبجدية أنها أوفى وأكمل ما اهتدى اليه الانسان ليكون أداة للكتابة وللتعبير عن سائر الافكار البشرية.  ومن الأكيد أنه كلما كانت الاداة بسيطة وسهلة الاستعمال كلما كانت أوفى بالغرض الذي أعدّت من أجله، وبذات االفعل يكون انتشارها أسرع وأسهل.

    وهناك سبب آخر لسرعة انتشار الأبجدية الفينيقية، وهو لأنها تتألف من أحرف ساكنة – أي صامتة أو مصوّتة مع غيرها، كما يسميّها البعض -. اكتفى الفينيقيون في كتابتهم بتدوين النبرات الأساسية التي ترمز الى هيكل الكلمة بوجه عام، معتمدين على علم القارىء وذكائه في تحديد تفاصيل نطقها.  وكانت طبيعة اللغة الفينيقية خاصة واللغات الساميّة عامة، الدافع على الاكتفاء باستعمال الحروف الساكنة وحدها.  في كل هذه اللغات تغلب الكلمة الثلاثية أي المكوّنة من ثلاثة أحرف، فيسهل التنبؤ بحركتها نظراً للمعنى العام للجملة.  فالسبب اذاً ليس كما قال اناتول فرانس : ” قدموس العجوز يتكلّم من حلقه “.

    ولقد كان التشابه بين لغة الفينيقيين ، من هذه الناحية، وسائر اللغات الساميّة في البلدان المجاورة سبباً لقبول جيرانهم بسهولة، هذه الحروف، واستعمالها كما هي، أو بعد تحوير بسيط، لكتابة لغاتهم حسب ذوق الشعوب ومتطلبّات الكتابة.

        اعتبر بعض اللغويين والمؤرّخين أن عدم استعمال الفينيقيين لحروف الحركة كان نقصاً في أبجديتهم، كما ذكر اناتول فرانس وغيره.  لكن لا بدّ أن نذكر أن هذا الواقع سهّل على جميع اللغات في العالم – ما عدا تلك التي لا تزال على الأسلوب التصويري كالصينية واليابانية- أن تتخّذ الألفباء وسيلة للكتابة، لأن اللغات لا تختلف احداها عن الأخرى،  الاّ في ما ندر، بالحروف الساكنة أي الصامتة، انما تختلف في حروف الحركة أي الصوتيّة.

    اكتفى الفينيقيون  اذاً باثنين وعشرين حرفاً لكتابة لغتهم، فسجّلوا النبرات الصوتية الساكنة فقط، كما ذكرنا.  اسلوبهم الكتابي هذا كان له الحظ والحق في أن ينسجم بسهولة مع باقي اللغات في العالم القديم ثم الحديث.  هذه حروف سهل تصويرها وصنعت خصيصاً للمعاملات السهلة وللكتابة على ورق البردي وغيره من وسائل الكتابة، فانتشرت مع هذا الورق وهذه الوسائل الكتابية، بفضل تجارة الفينيقيين في البلدان المتاخمة لحوض البحر الأبيض المتوسط.

    الأبجدية، كما يقول موريس دونان، هي من الاختراعات الانسانية الحاسمة، النهائية.  قد حلّت بطريقة تجريدية ممتازة معضلة صعبة.  وها هي بعد أربعة آلاف سنة، وفي عالم يعيد النظر في كل شيء، باقية، من خلال وجوهها المتعدّدة، على الشكل الذي وضعه لها مخترعوها الأولون.  فهي صامدة ازاء تطوّرات المدنيّة جميعها.  والمدنيّة لن تنقض الأبجدية بل تسهّل انتشارها كي تعمّ جميع الدول والشعوب.

    أما كيف تمّ تطوّر الأبجدية وانتشارها ؟  لمعرفة ذلك يجب الاستناد الى الآثار والحفريات.

ما بعد أحيرام

    تكلّمنا سابقاً عن كتابة أحيرام وعن نصوص أبجدية وبسيدو – هيروغليفية أقدم عهداً من هذا الملك الذي اشتهر بعد وفاته بثلاثة وثلاثين قرناً تقريباً، ربما أكثر من السنين التي كان فيها على أحضان الحياة.  بقي علينا اذاً أن نتكلّم عن ما بعد أحيرام، أي عن تطوّر أبجدية جبيل وانتشارها منذ القرن الثالث عشر ق.م. ، الى أن عمّ استعمالها تقريباً في الشرق والغرب.

                                                           في جبيـــل :

    على مدى سبعة قرون تقريباً – من الثامن عشر حتى الحادي عشر ق.م. – كتّاب جبيل وحدهم قدّموا لنا نصوصاً تشير الى تطوّر الأبجدية الفينيقية الأصيلة.  ومن أشهر الآثار الكتابيّة في جبيل بعد أحيرام الكتابات التالية :

 

1 –    كتابة أبيبعال

    في أواخر القرن الماضي، عثر في حفريات بيبلوس على تحفة أثرية ذات قيمة لا تقدّر بثمن.  وهي تحمل كتابة هيروغليفية مشهورة لأنها شعار الفرعون ششهونك الأول ملك مصر.  وبالاضافة لهذا الشعار نقشت على هذه القطعة التاريخية، التي هي جزء من قاعدة تمثال، ثلاثة أسطر غير كاملة باللغة الفينيقية .

      وكان أول من حاول ترجمة النص الفينيقي كلارمون – غانّو ثم تبعه ليدزبرسكي  لكن في أواخر القرن الماضي واوائل هذا القرن ما عرف علماء الآثار والمؤرخون القيمة التاريخية لهذه الكتابة.  ومن أهم الأسباب عدم معرفتهم في ذلك الوقت تمييز حرف الكاف القديم من حرف السين.  فاعتبروا أبيبعال الذي تتكلّم عنه الكتابة شخصاً برتبة ” ترجمان “.  وما أن توصّل دوسّو الى قراءة حرف الكاف في الكتابة حتى أصبح واضحاً أن أبيبعال هو ملك جبيل الذي عاش في أيام الفرعون شيشونك الأول، أي في الثلث الأخير من القرن العاشر.

    ولا بد من الاشارة الى أن شكل الحروف يشبه كثيراً كتابة أحيرام.  وليس هذا بغريب، لأن كتابة أبيبعال تاريخياً ولغوياً، أشبه بنقطة وصل بين أحيرام وماشا ملك موآب.

    وهذه ترجمة كتابته حسب دوسّو :

    ” قد قدّم أبيبعال ملك جبيل ومولى جبيل في مصر الى الهة جبيل واله جبيل “.

    علماء اللغات الشرقية القديمة يعترفون اليوم بأن ترجمة دوسّو هي الترجمة الصحيحة.

    ويقول بيار مونتيه أن هذا التمثال كغيره من السلع كان ثمناً للخشب الذي كانت جبيل ترسله الى مصر.

2- كتابة اليبعال

    وعثر كذلك في جبيل على قطعة من تمثال نصفي للفرعون اوسورخون ( لوحة 22 )، الذي خلف شيشونك المذكور آنفاً، في أواخر الجيل العاشر.  على التمثال نقشت أيضاً كتابة فينيقية من ثلاثة أسطر.  (لوحة 23 ) .

    يبدو لنا أن الفرعون أرسل تمثاله النصفي الى ملك بيبلوس.  هذا كرّسه في الهيكل مقدّماً اياه لالهة جبيل.  وكان لدوسّو الفضل في الوصول الى ترجمة صحيحة للكتابة على النحو الآتي :

1- التمثال الذي صنعه اليبعال ملك جبيل تقدمة

2- لالهة جبيل عن نفسه.  فلتطل أيام

3-  اليبعال وأعوامه ( أعوام ملكه ) على جبيل ” .

قبل اكتشاف ناووس أحيرام وفك رموز كتابته لم يكن سهلاً الوصول الى ترجمة هذه الوثيقة والى تفهّم دقيق للكتابة ابيبعال.

3 –  رقيم الملك يحيملك

    ولا بدّ من ذكر كتابة من سبعة أسطر باللغة الفينيقية نقشت على حجر كلسي.  وهي المعروفة بكتابة يحيملك ملك جبيل.

    يعتقد جورج كونتينو وغيره من المؤرّخين انها من أواخر القرن الثاني عشر ق.م.، بينما يقول آخرون انها ترقى الى القرن الحادي عشر أو العاشر ق.م.

4- رقيم يهوملك، ملك جبيل من القرن الخامس أو الرابع ق.م.  ( لوحة 24)

                                                 خارجــاً عن جبيـــل :

أما خارجاً عن جبيل، فليس بين أيدينا نصوص فينيقية كثيرة ترقى الى ما قبل القرن الثامن ق.م. كي نتمكّن أن ندرس باسهاب تطوّر الكتابة الأبجدّية وانتشارها.  على كل حال، لا بدّ من ذكر أهم هذه الكتابات :

    1-  سهم الرويّسة :  من الناحية الاركيولوجية، اكتشاف سهم الروّيسة في النبطية (لبنان) لم  
يكن شيئاً هاماً.  هو قطعة من سهم برونزي كغيره من الأسهم.  لكن، بسبب الكتابة الأبجدية التي حفرت على جهتي السهم، فلهذا الاكتشاف قيمة عظيمة.  يعتقد الأب رونزيفال ان الكتابة الفينيقية المدوّنة عليه هي من القرن الثاني عشر ق.م.   أما دوسّو وفيروللو فيفترضان انها من القرن العاشر.  بينما ان موريس دونان ينسبها الى القرن الحادي عشر.

    2- رقيم ماشا ملك موآب الذي يرقى الى حوالي عام 842 ق.م.

    3- في مملكة زندجرلي ( سوريا ) التي بلغت اوج عزّها في أواخر القرن التاسع وفي القرن الثامن ق.م. عثر على كتابتين بأحرف الأتجدية الفينيقية من القرن التاسع.  احداهما معروفة باسم الملك قالمو والثانية باسم الاله حدّاد.
    
    4-  كتابة خزيال ملك دمشق على تخت من عاج من صنع فينيقي، في القرن التاسع ق.م.

     5- كتابتان في نورا من أعمال سردينيا .

6- وفي قبرس عثر أيضاً على كتابة فينيقية نقشت على كأس من برونز مهداة لاله لبنان.  ومن الأرجح أنها من القرن الثامن ق.م.

7- رقيم تبنيت وابنه أشمون عازار، ملكي صيدون، في القرن الخامس ق.م. ( لوحة 25 ).

    النصوص القليلة التي اكتشفت حتى الآن هي برهان لا بأس به على أهمية التأثير الفينيقي في البلدان المجاورة وسرعة انتشار الأبجدية.  كتابة ماشا ملك موآب كتبت بأحرف أبجدية جبيل وان لم تكن لغة الشعب فينيقية بل اللغة الموآبية القريبة الى الفينيقية والعبرية معاً.  وفي مملكة زندجرلي التي كانت تدور في فلك أشور، كتابتا الملك قالامو والاله حدّاد نقشتا بحروف أبجدية جبيل ولغتها رغماً أن لغة الشعب كانت الآرامية.  وعثر كذلك قرب زندجرلي على كتابة أخرى من القرن الثامن ق.م.، كتبت بحروف فينيقية لكن بلغة أناتولية.

    أثبتنا سابقاً لوحة للمقابلة بين كتابة الأبجدية الفينيقية منذ القرن السابع عشر حتى التاسع ق.م. ( راجع لوحة 13 ). والآن لزيادة الايضاح  ولتفهّم تطوّر حروف الأبجدية نثبت لوحة ثانية لبعض الكتابات منذ احيرام حتى القرن الثامن، نقلاً عن دوسّو في مقاله الشهير في مجلة سوريا  ( لوحة 26 ).

    لا بدّ أن نلاحظ هنا أنه يوم وضع دوسّو لوحة المقابلة هذه لم تكن بعد اكتشفت في جبيل الكتابات الماقبل أحيرام أي اسدروبال وشفطبعال وعبدو. ولذلك لم ترد في مقابلته.

    أما من يدرس لوحتي المقابلة المذكورتين دراسة نقدية شاملة فيلاحظ أن حروف كل واحدة من هذه الكتابات تختلف عن السابقة والتابعة لها اختلافاً بسيطاً جداً رغماً عن انتشارها في بلدان مختلفة.

    هذا الواقع يشير الى أن كتابات جبيل والروّيسة وسوريا الشمالية وقبرس وسردينيا تمثّل حلقات منوّعة لتطوّر أبجدية واحدة.

    هذه المرحلة الأوليّة، البدائية  للأبجدية، حسب رأي دوسّو، تبدأ في القرن الثالث عشر وتنتهي في القرن الثامن ق.م. وحسب موريس دونان، بدايتها في القرن السابع عشر ونهايتها في أواسط القرن التاسع ق.م. من أشهر ميزاتها أنها تطوّرت في بلدان مختلفة باتجاه واحد منطقي.  وذلك نتيجة لنموّ تأثير الفينيقيين وازدهار تجارتهم، خاصة ما بين سنة 1200 – 900 ق.م.، أي في العصور الذهبيّة الفينيقية، حين شهدت فينيقا استقراراً وسلاماً تامين ولم تعترف بسيادة أي دولة غريبة عن أرضها.

    من هذه الاثنتين والعشرين علامة انبثقت كل الابجديّات في العالم، وان ظهرت في شكلها الآن، بعد مئات السنين، مختلفة عن شكل الحروف الجبيلّية .

    هذا الواقع الذي أجمع على الاعتراف به المؤرخون القدامى، نعتبر اليوم أنه برهن على صحتّه كفاية، ليس فقط في ما ينسب الى بلدان الشرق الأوسط وما حواليها، بل الى كل اللغات في الشرق والغرب، في الشرق ابتداءً من البلدان المجاورة وفي الغرب انطلاقاً من بلاد الاغريق.

                                                 انتشار الأبجدية في الشرق

    يقول الأمير موريس شهاب، في مقاله عن الأبجدية، في دائرة المعارف : ” شبّت البلاد الفينيقية في القرن الثاني عشر وأصبح لبنان ملجأ الحضارات القديمة وامتدّت أشعة حضارته الى البلاد المجاورة، فصار مرجعها في الأمور الفكرية والفنية ” ( المجلد الثاني ، صفحة 68 ).

    التاريخ يشهد على صدق هذا الكلام.  فما كاد الملك داود يجمع شمل القبائل العبريّة ويوحّد مملكته متّخذاً اورشليم عاصمة لها حتى اتجّه بأنظاره الى فينيقيا طلباً للمساعدة.  فالتجأ الى حيرام ملك صور كي يمدّه بالبنّائين والفنّانين وخشب الارز لبناء قصر له وهيكلاً للّه في أورشليم.

    ثم خلفه ابنه سليمان الذي منذ بداية عهده كتب الى حيرام مذكرّاً ايّاه بعلاقاته الطيّبة مع داود أبيه ومكرّراً طلب أبيه :  الرجال والعتاد لبناء هيكل اورشليم.  فكان له ما أراد لأن المصالح اتفّقت .  ووصلت صداقتهما الى أبعد من ذلك.  فقامت الدولتان المجاورتان ببعثات تجارية مشتركة انطلاقاً من مرفأ عصيون جابر باتجاه اوفير وترشيش.

    بدون شك تأثّرت جداً الدولة العبريّة بحضارة فينيقيا وثقافتها.  تتلمذ العبرانيّون على الفينيقيين وأخذا عنهم حروفهم الأبجدية.

    علاقات ودّية مماثلة شهدها التاريخ في الجيل التاسع بين الفينيقيين وملك دمشق الآرامي خزائيل الذي كان يرقد على سرير من العاج من صنع فينيقيا، عليه دوّنت كتابة بالأبجدية الفينيقية.

    وماشا ملك موآب في شرقي الأردن دوّن سيرة حروبه بحروف أبجدية فينيقية على نصب تذكاري أقامه لتخليد اسمه وانتصاراته.

    أول ما اشتق في الشرق عن الأبجدية الفينيقية هي الأبجديات السامية.  وقد كتب بعضها أول الأمر بالأحرف الفينيقية نفسها بدون أي تغيير.

    أول كتابة عبريّة أبجدية عرفت حتى الآن هي روزنامة جازر من الجيل العاشر.  انها تنتسب في خطوطها مباشرة الى حروف أبجدية احيرام وغيرها من الكتابات الجبيلية وليس الى تحويرات وتفرّعات كتابية حفظتها لنا بعض الأسهم في فلسطين.  هذا ما يشير الى أن تلك التفرّعات الأولى كان نصيبها الزوال لضآلة تأثيرها بالنسبة لمحور الانتشار العظيم : جبيل.

    واذا راقبنا بتدقيق كتابة ماشا ملك موآب المذكورة آنفاً لا يصعب أن نلاحظ فيها، كما لاحظ رينان، صفات كتابة لم تعد في مهدها.  رموزها تشير الى استعمال طويل للأبجدية – الام قبل أن طبقّت على لغات غير فينيقية. 

    ومثلها كتابات قبرص ونورا وسوريا الشمالية.

    واذا قابلنا أقدم الكتابات الآرامية بالكتابة الفينيقية نجد أن الفروقات ضئيلة جداً بين حروف كل من الأبجديتّين بحيث لم يعد ممكناً ايجاد أصل للأبجدية الآرامية مستقلاً عن الجزع العام، أبجدية جبيل.  كما ان عدم المطابقة التامة بين الحروف والنبرة الصوتية ( فونيم ) في اللغة الآرامية القديمة يبرهن بوضوح على أن الآراميين استعملوا، لكتابة لغتهم، حروفاً أبجدية قبل أن يصيغوها حسب مقتضيات هذه اللغة وميزاتها الخاصة.  وهذه الأبجدية – الام هي أيضاً أبجدية جبيل.

    ومن الأرجح أن هذه وصلت أولاً الى الأوساط الآرامية الشامية ومنها انتقلت الى الأوساط الآرامية في شمال سوريا حيث عثر على رقيم قالمو والاله حدّاد… ( لوحة 27 ).

    وعن انتشار الأبجدية الفينيقية منذ القرن التاسع، يقول الأمير موريس شهاب في مقاله الآنف الذكر : ” فها اننا نرى الأبجدية الفينيقية في القرن التاسع قبل الميلاد، منتشرة من شواطىء البحر الأطلسي الى ضفاف الفرات، وحدود البادية.  يستعملها الفينيقيون، والعبريّون، والآراميون، والشعوب التي ستؤلف فيما بعد المناطق التي سيرتادها النبطيّون…

    ” وقد اقتبس النبطيّون الأبجدية الفينيقية، وتطوّرت في أيديهم، وفي أيدي الآراميين خلافاً لما حدث لها في الغرب.  فان هذه الأبجدية وجدت في البلاد الشرقية، في محيط شبيه بالمحيط الذي نشأت وشبّت فيه، محيط سامي تميل عقليته الى الاختزال، خلافاً للعقلية الغربية الميّالة الى البسط، والشرح.  في هذا المحيط الشرقي تابعت الأبجدية سيرها نحو الاختزال، على كونها هي في أصلها مختزلة.  فلم تصل عن طريق النبطيين الى العرب الاّ غدت اختزالاً لاختزال، حتى أصبحت النقاط وحدها في كثير من الأحيان تميّز بين الحرف والحرف.

    وعندما تدفّق العرب في المعمور، نقلوا الأبجدية التي ورثوها الى البلاد التي فتحوها.

    بعد قبول العرب للأبجدية الفينيقية، مروراً بالحروف النبطية التي كانت مستعملة في العراق قبل ظهور الاسلام، لاحظوا عجز هذه الحروف عن أداء النبرات الصونية لستة حروف ساكنة في لغتهم، فاذا بهم يضيفون الى الأبجدية الموروثة هذه الأحرف المجموعة بكلمتين : ” ثخذ، ضظغ “. وهي كلها منقوطة لأنهم لم يضيفوا لها أشكالاً مختلفة جديدة.  فالى شكل ستة حروف معروفة أضافوا نقاطاً. ولذلك سمّوها الحروف الروادف، لأن كل حرف منها يتبع أو يردف حرفاً آخر لا يتميّز عنه الاّ بنقطة مضافة فوقه.

    أما اللغة السريانية المشتقّة مباشرة من الآرامية فقد كتبت على مرّ العصور وتعدّد البلدان بثلاث الفباءات، أقدمها الاسترانجيلية ويليها السريانية النسطورية وأخيراً السريانية اليعقوبية.  وهي مشتقّة من بعضها.  ( لوحة 28 ).

   وكل هذه الأبجديات : الآرامية والعبريّة والسريانية بفروعها الثلاثة كانت منتشرة في شمال شبه الجزيرة العربية قبل الكتابة العربية بقرون عدّة.  ونلاحظ ان كلاّ منها، كاللغة الفينيقية، تكوّنت من 22 حرفاً، وكتبت من اليمين الى الشمال وتبعت الترتيب عينه – كما في الفينيقية أيضاً – المدوّن حسب هذه الكلمات التي استعملت لتسهيل الحفظ : ” أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت “.

فضـــل الآرامييـــن

    يبدو من خلال ما ذكر سابقاً ومن دراسات تاريخية هامة ان للآراميين دوراً كبيراً في انتشار الأبجدية بسرعة في العالم الشرقي.  قبل أبناء النيل بأجيال، نقل الآراميون لغتهم الى الهجائية الجبيلية وساعدوا على تعميم نشرها

    ” ان جميع الهجائيات التي تستحق هذا الاسم، قديمة كانت ام حديثة، تنتسب الى حد ما، الى الهجائية الكنعانية الفينيقية.  فآراميو سوريا وبلاد الرافدين الذين نقلوا لغتهم الى هذه الهجائية، أسهموا في نشرها بواسطة تجارتهم، حتى الصين والبلاد العربية.  وبفضل الهجائية، احتلّت اللغة الآرامية مركز الأكادية البابلية كلغة دبلوماسية وتجارية في الشرق المتوسطي، ومن ثم كلغة وطنية في مجمل بلاد الهلال الخصيب “.

    لأجل موقعهم الجغرافي خاصة – في لبنان وسوريا وبلاد الرافدين – كان الآراميون مدعوّين لهذه الرسالة.  عاشوا بين الفينيقيين والأشوريين. والى هؤلاء كانت تربطهم روابط قرابة قديمة وعريقة.

    لذلك لم يجدوا صعوبة في ابلاغ الأشوريين الذين كان يصل تأثير حضارتهم وسلطانهم الى أواسط بلاد العرب، الأبجدية الفينيقية.

    ومن جهة ثانية، علاقات الآراميين بالعبرانيين كانت وثيقة ووديّة لمدة من الزمن.  لأن بني العبران ليسوا سوى فرع من الجزع الآرامي العام.  ربّما تشبّها بأقربائهم الآراميين قبل العبرانيون اختراع الفينيقيين.  فالكتابة العبرية المربّعة المستعملة حتى اليوم ليست وليدة الكتابات العبرية القديمة بل اشتقّت عن الأحرف الفينيقية.  وللعلاقات الحسنة بين صور وأورشليم في أيام حيرام ملك صور، دور هام في انتشار الأبجدية في فلسطين.

    وكما ذكر سابقاً، ان تطوّر الكتابة الآرامية ساعد كثيراً على تكوين الأبجدية السريانية والعربية.  فاذا حدّقنا ملياً بالحروف الأبجدية العربية القديمة المسمّاة الكوفّية، لا بدّ أن نلاحظ الشبه الأكيد بينها وبين الحروف الآرامية والفينيقية.  انها وليدة التطوّر والتحرير.

    ثم ان الانتشار العظيم الذي لاقته الهجائية الفينيقية، خاصة في أيام حكم الفرس على لبنان       (539 – 332 )، له نتائج هامة على تاريخ الكتابة.  ومن الأكيد أن بلاد الهند عرفت في ذلك العهد حروف الهجاء.

    ربما ان الهند لم تتعرّف مباشرة على أبجدية جبيل بل من خلال الكتابة الآرامية أيضاً.  الكتابة المسمّاة هندو – بكثريانية ( في شمال البلاد ) اشتقّت مباشرة عن الكتابة الآرامية.  انه يتضح علمياً من عدّة كتابات هندو – بكثريانية قديمة أن هذه أخذت عن الآرامية في أواخر عهد الفرس وحكمهم في لبنان، أي عن أبجدية مرحلة التحوّل.

    يقول برجيه (                    ): ان الهنود الشماليين أخذوا من الأبجدية الآرامية ستة عشر حرفاً لا غير وتركوا ستة حروف كانت تمثّل، بالنسبة اليهم، نبرات صوتية غير معروفة.  ثم أضافوا ستة عشر حرفاً تناسب نبرات صوتية أخرى غير مألوفة عند الفينيقيين والآراميين.

    أما الكتابة الهندية المعروفة اليوم، فقد قبلت مبدأ الأبجدية عن الفينيقيين وكوّنت حروفاً خاصة بها بحيث تضاءل الشبه بينها وبين أبجدية جبيل.  وكما يقول جوزف هاليفي : ان الأبجدية الهندية تشتّق من الآرامية كالأبجدية الهندو – بكثريانية.  بعض حروفها متّخذة عن هذه الأخيرة والبعض مباشرة عن الآرامية، وغيرها عن اليونانية.

    وهذه الحركة التي حملت الأبجدية الفينيقية الى أواسط آسيا لم تقف عند حدّ.  بعد محاولات عدّة وصلت حروف الهجاء الجبيلية، مباشرة أو بواسطة الكتابة الآرامية، الى ايران، فتكوّنت الأبجدية المسمّاة ” بهلوية ”  وتلك المسمّاة ” زند ” التي بها دوّنت كتب الهند المقدّسة ” زند – أفستا ” .  هاتان الكتابتان يمكن اعتبارهما فرعين لأبجدية واحدة مشتقّة مباشرة عن كتابة جبيل أو عن الآرامية في زمن الفرس.

    ليس من مجال هنا للكلام عن كل الأبجديات التي اشتقّت مباشرة عن الفينيقية أو عن ابنتها البكر الآرامية.  الاكتشاف العظيم الذي يسمو على أعظم الاكتشافات هو الوصول الى مبدأ الأبجدية وتطبيقه، كما ذكرنا.  أما نوعيّة شكل الحروف فهي اصطلاحات بالامكان تحويرها وتطويرها وحتى تغييرها تماماً، حسب احتياجات الشعوب.  لذلك اكتفينا بعرض بسيط لانتشار الأبجدية في الشرق وسنتبع الطريقة عينها في الكلام عن الغرب.

انتشـار الأبجديـة في الغــرب
                                                                                                                              
    كان للاستقرار والسلام التاميّن اللذين شهدهما الفينيقيون في عصورهم الذهبية ( 1200- 900 ) ،
الفضل الأكبر في انتشار أبجديتهم.  في هذه الحقبة من التاريخ تقدّموا في الفنون والصناعة تقدّماً عظيماً.  انشأوا تجارة واسعة مزدهرة واتخذوا من الملاحة سبيلاً لتوثيق علاقات تجارية جديدة، وتأسيس المستعمرات ” التي لم تكن سوقاً تجارياً ينقلون اليه البضائع والسلع الماديّة فحسب، وانما كانت مراكز تنقل اليها النواحي الفكرية والروحية في حضارتهم الساميّة.  فكأن أشرعتهم كانت تؤلف جزءاً عائماً من تربة فينيقية “.  وكما في الشرق، كذلك في الغرب، تمكّن الفينيقيون أن ينشروا أبجديتهم ويفتحوا أمام الشعوب آفاقاً وآمالاً.

    قال عثمان صبري في كتابه : ” نحو أبجدية جديدة ” : ” نشأت من تلك الحروف الفينيقية حروف جديدة في جزر قبرص وكريت وأوبيه، احدى مستعمرات الفينيقيين بجزر الارخبيل اليوناني والتي اضطرّ أهلها تحت ظروف طارئة الى الهجرة الى شبه جزيرة خلسيديا بالقرب من سلانيك حيث ظهرت حروف هجائية جديدة بالحروف الخلسيدية  أخذت في غزو بلاد الاغريق من الشمال، بينما كانت تغزوها الحروف الكريتية من الجنوب.  فكان من أثر ذلك أن نشأت فيها حروف جديدة هي الحروف الكورنتية  والميليزية  .  وقد اقتبس الاغريق سنة 403 قبل الميلاد من كل هذه الألفبائات الأربعة، الالفباء الأتيكي، الذي صار منذ ذلك العهد الألفباء الأغريقي الرسمي ولا يزال كذلك حتى اليوم دون أن يمسّه أي تعديل الاّ في حرفه السادس فقط وهو :     “.

    ان الحركات في اللغات السامية أتت متأخرة جداً عن زمان استعمالهم حروفهم الساكنة.  وان قامت هذه الأحرف بأداء رسالتها في كتابة اللغة الفينيقية وباقي اللغات الساميّة، لكنها لم تف بحاجة الاغارقة والشعوب التي انبثقت لغتها من أصول هندو – اوروبيّة، لحروف الحركة فيها دور هام.  بلا حروف حركة تبقى الكتابة أو القراءة اليونانية تقريبية، لا غير.  ان كان في اللغات الساميّة الخالية من الحركة، على القارىء أن يحاول تمييز الكلمة الصحيحة من بين ثلاث أو أربع كلمات محتملة القراءة، فعليه في الكتابة اليونانية، ان اكتفى بالحروف الساكنة، أن يختار الكلمة من بين حوالي اثنتي عشرة كلمة محتملة القراءة.  لذلك التزم الاغارقة أن يضيفوا سبعة حروف حركة الى حروف الفبائية الفينيقيين.  كما أن الشعوب اللاتينية، اكتفوا بخمسة من حروف الحركة هذه لكتابة لغتهم التي لا تحتاج الى أكثر من ذلك.

    ألمهم اختراع مبدأ الأبجدية.  وكل زيادة أو نقصان في الحروف عمل ثانوي سهل التحقيق.

    الأبجدية اليونانية أول طريقة كتابية في الغرب، اقتبست عن الأبجدية الفينيقية.  بعد أن حلّل دوسّو تطوّر شكل الحروف الأبجدية منذ كتابة أحيرام حتى كتابات الجيل الثامن، خلص الى نتيجة يعتبرها أكثر علماء اللغات القديمة أكيدة.  وهي أن الأغارقة أخذوا الأبجدية عن الفينيقيين في القرن التاسع أو أواخر القرن العاشر ق.م. وبكل تأكيد قبل كتابات نورا وفينيقيا الشمالية ( الاله حدّاد والملك قالمو )، نظراً لبعض التطوّر في هذه الكتابات – خاصة في حرف الدال – الذي لم يترك له أثر عند اليونان.

    ويبدو لنا أيضاً أن الأبجدية الفينيقية انتشرت في بلاد الاغريق ابتداءً من الجزر القريبة الى الشرق حيث كان اشعاع الفينيقيين وتأثيرهم عميقين.

    في جزيرة سانتوران  أي تيرا القديمة، عثر على أقدم كتابات أبجدية اغريقية.  وهي تكاد لا تختلف في شيء عن شكل الحروف الفينيقية.

    وذكرنا سابقاً أنه صك في نقد من نقود مدينة طيبة نقش يمثّل قدموس الفينيقي يعلّم الاغارقة الحروف الأبجدية.  هؤلاء أنفسهم سموّا أحرف أبجديتهم الأولى ” حروفاً فينيقية ” أو ” حروفاً قدموسية ” نسبة لقدموس الصوري، المعلّم الأول.

    قد لهج اليونانيون الأقدمون بفضل الفينيقيين عليهم، بنوع أخص، لأنهم علّموهم حروف الهجاء فوضعوا أساً متيناً لحضارتهم ورقيّهم.  فما أصدق ما قال في هذا المعنى الأستاذ سعيد عقل : ” بدايات أمحادنا، تلك التي تدور على ثلاثة : استباق جميع الأمجاد، والهام أجمل ما به آمن البشر، وركز أسس العقل الأغريقي الذي اعتبر العقل وكفى…”.

    لكن اعجاب اليونانيون بالفينيقيين وتقديرهم، في أيام قدموس وما بعده، انقلبت الى بغض وضغينة منذ أوائل القرن الخامس ق.م.، يوم بلغت البلاد اليونانية درجة عالية في سلّم الرقي والمجد.  فشنّ بعض الكتّاب الأغارقة على الفينيقيين حرب قدح وذم ناسبين اليهم كل ما أمكنهم نسبته من المساوىء.  وسبب هذا التغّير مصالح لم تتفق، مزاحمة اقتصادية، خاصة في فن الملاحة وتأسيس المستعمرات.

    بيد أنه برغم الخصومة السياسية وبرغم ما مرّ من الزمن على تاريخ اقتباس الأبجدية عن الفينيقيين، قد حافظ الأغارقة في كتابتهم – ضمن الحدود الممكنة – على شكل الأبجدية الفينيقة الهندسي وعلى أسماء أحرفها، فسمّيت حتى اليوم : ألفاً، بيتاً، غاماً، دلتا…الخ. أي ما يقابل : ألف، بيت، جمل، دالت…

    لهذه الكلمات معان في اللغة الفينيقية لا يقابلها أي معنى في اليونانية.  هذا ما يدلّ على أن الأغارقة أخذوا الأحرف عن الفينيقيين ثم حوّروا أسماءها قليلاً، حسب مقتضيات لغتهم وتركيبها.

    وكما في الشرق، كذلك في الغرب، كان للأحوال السياسية الدور الهام في سرعة ا نتشار الأبجدية.  فعندما ظهر الاسكندر في القسم الثاني من القرن الرابع ق.م. ، ساعدت جداً فتوحاته المتعدّدة على نشر حروف الهجاء الفينيقية الأصل.  ثم اقتبس الرومان عناصر حضارية كثيرة عن اليونان، ربّما في مقدّمتها الكتابة الأبجدية.  ولما سادت روما في الغرب والشرق ازداد، بانتشار سلطانها، استعمال الكتابة اللاتينية وأصبح ممكناً خلق أسرة الأبجدية اللاتينية.  ثم ان البرابرة الذين هاجموا الدولة الرومانية بين القرن الرابع والسادس بعد الميلاد أفادوا كثيراً من حضارة الرومان، فتحضّروا وسكنوا اوروبا واستعملوا الأحرف اللاتينية لكتابة لغاتهم المختلفة.  وهكذا اذاً بعد التطوير والتحرير، غدت الأبجدية الفينيقية الأصل، أبجدية قسم كبير من افريقيا والعالم الأوروبي بكلامله.

    كما انه بعد مضي حوالي أربعة أجيال على تأسيس الديانة المسيحية اتسّعت آفاقها وتحدّدت معطياتها ونمت ثقافتها وأصبحت الديانة الرسمية للأمبراطورية الرومانية، فتكوّنت معها حضارة جديدة، وساعد انتشارها على نشر الكتابة اليونانية في دول كثيرة في الشرق ( لوحة 29 ) والكتابة اللاتينية في الغرب.  وهاتان الكتابتان المنبثقتان عن الأبجدية الفينيقية تجاوز تأثيرهما حدود الامبراطورية المنقسمة الى بيزنطية ورومانية.

    ومنذ ذلك الحين توسّعت تدريجياً آفاق الكتابة اللاتينية خاصة باشتقاق بعض اللغات عنها وخلق أسرة اللغات اللاتينية، ثم باستعمال أحرفها في كتابة لغات أخرى في بلدان مختلفة ( لوحة 30 ).  أما اليوم فقد غدت الأحرف اللاتينية الكتابة الأكثر شيوعاً على وجه الأرض، كما يظهر بجلاء من خلال خريطة توزيع الكتابات في العالم.

    ومنذ سنة 1492، عندما وصل كريستوف كولمبس الى اميركا، تبعته الى هناك جاليات عدّة من بلدان مختلفة حاملة معها طرق كتاباتها المنبثقة عن أبجدية جبيل.

    وهكذا بعد انقراض الحضارة الفينيقية بقرون عديدة انتشرت في العالم القديم والعالم الجديد أبجدية جبيل التي غدت ركناً في صروح الحضارة الانسانية.

    لكن غاب عن ادراك المؤرّخين وعلماء اللغات القديمة والآثار شيء هام جدا ًوهو ان الكتابة الفينيقية نفسها بحروفها الأبجدية سبقت كريستوف كولمبس الى اميركا بحوالي 2450 سنة أي في القرن العاشر ق.م. الفينيقيون، ثم القرطاجّيون، عبروا بسفنهم المحيط الأطلسي الى هناك ودوّنوا على بعض الصخور خبر وصولهم بأحرف أبجديتهم، تخليداً للذكر.

    قد برهنّا كفاية عن صدق هذه النظرية، التي اصبحنا نعتبرها اليوم واقعاً تاريخياً، في كتابنا : ” الفينيقيون واكتشاف اميركا “.  فنكتفي الآن بنشر احدى هذه الكتابات، المعروفة باسم : ” كتابة باراييبا ” نقلاً عن كتابنا المذكور،  ( لوحة 31 ).

    أما ترجمة هذا النص فهي على النحو الآتي:

1- نحن أبناء كنعان من صيدون مدينة الملك.  والتجارة رمتنا
2- على هذا الشاطىء البعيد، أرض الجبال.  وقدّمنا ذبيحة بخور للآلهة
3- والآلهات في السنة التاسعة عشرة لحيرام، ملكنا القدير.
4- وأتينا من عصيون جابر، على البحر الهادىء.  ذهبنا بعشرة سفن.
5- وكنا في البحر معاً سنتين حول أرض حام ثم انفصلنا.
6- بيد بعل، فافترقنا عن رفاقنا وأتينا الى هنا اثنا عشر.
7- رجلاً وثلاث نساء، على هذا الساحل البعيد، الذي، أنا متعشترت الرئيس،
8- استوليت عليه.  نأمل أن تؤيّدنا الآلهة والآلهات “.

    لابدّ أخيراً من جمع بعض الأبجديات في جدول واحد ابتداءً من أبجدية احيرام، اي القرن الثالث عشر ق.م.، حتى ما بعد القرن الثامن الميلادي.  وذلك لملاحظة الشبه الأكيد بينها جميعاً وللاطلاع على تطوّر الأبجدية الجبيلية الأصل على مدى الأجيال وانتشارها في سائر أنحاء الأرض.
   
    نختار لهذه الغاية، جدول تطوّر الأبجدية، كما ورد في دائرة المعارف، المجلد الثاني، ( لوحة 32 ) .  وهو يقسم على النحو التالي :

1- أبجدية ناووس احيرام، ملك جبيل، في القرن الثالث عشر ق.م.
2- أبجدية نصب ماشا، ملك موآب، في أواسط القرن التاسع ق.م.
3- أبجدية ناووس اشمون عازار، ملك صيدون، من القرن الخامس ق.م.
4- أبجدية يونانية قديمة مأخوذة عن الفينيقية، ترقى الى القرن السابع ق.م.
5- أبجدية لاتينية.
6- أبجدية عبرية من القرن الثامن ب.م.
7- أبجدية عربية كوفيّة من القرن الثامن ب.م.
8- أبجدية عربية نسخيّة.

    كل هذه الكتابات تشير الى تطوّر الأبجدية الجبيلية وانتشارها، والى الافادة العظمى التي قدّمتها مدنيّة الفينيقيين للعالم لأنهم ” جمعوا الشرق والغرب بشبكة من العلاقات التجارية والثقافية، وهكذا كانوا أول من انتشل اوروبا من البربرية… ولم تكن الروائع الأدبية لتعطي الشعوب المتوسطية بعض الوحدة، وانما هي الحاجات التجارية.  ولا شيء يبرهن على هذا بطريقة أفضل، من وجود علاقة سببية فعّالة بين التجارة والحضارة”.

الأبجديــة والأرقــام

    كان للأستاذ سعيد عقل الفضل في اكتشاف حقيقة هامة جداً لمصلحة أبجدية جبيل.  وهي تتعلّق بالأرقام.  قد برهن الأستاذ عقل أن الأرقام المستعملة اليوم في أوروبا واميركا واكثر بلدان العالم هي أرقام مشتقة عن الأبجدية الفينيقية.  قال في محاضرة له، في جامعة الروح القدس سنة 1970 ، تحت عنوان : ” عظمة الحواضر الفينيقية، مرتكز القومية اللبنانية “، باللغة اللبنانية، ما يلي :

    ” هالأرقام لهي اليوم أرقام العالم المتمدّن كلّو اكتشفت أنا انّا أرقام فينيقي ما غيرا.  هي بالظبط التسعة أحرف الأولى من الأبجديي الفينيقيي بيدون تغيير بمطارحا.  انزاد عاكل واحد منا شحتا تا يتفرّق بين الحرف والرقم.

    هي هي، عاسطر حروف وعا سطر أرقام :

 

    وفي اللغة العربية بقي أثر لاستعمال الحروف الأبجدية الفينيقية كأرقام.  هذا ما يظهر خاصة في الشعر المستعمل للتأريخ.  الكاتبون باللغة العربية استعملوا حروف الألفباء للتعبير عن الأرقام الحسابية، لا حسب ترتيبها المعروف اليوم، بل حسب الترتيب الفينيقي والسرياني، أي على النحو التالي :
                                                             
        أ     1              ي     10              ق      100
        ب    2              ك     20              ر       200
        ج     3              ل     30              ش     300
        د     4              م     40              ت      400  
        ه     5              ن    50              ث      500
        و     6             س   60             خ       600
        ز     7              ع    70              ذ       700     
        ح    8             ف    80            ض      800    
        ط    9            ص    90             ظ       900
        غ  1000

     أي انهم استعملوا الحروف التسعة الأولى للآحاد والتسعة الثانية للعشرات والتسعة الثالثة للمئين.  والحرف الأخير وهو الغين للألف.  فلو كانوا تبعوا الترتيب العربي العادي لالتزموا أن يعتبروا : ت : 3، ث: 4، ج: 5، 000ي : 1000 .

    هكذا اذاً كان للفينيقيين في جبيل فضل لا يقدّر بثمن، لاختراعهم مبدأ الأبجدية وتطبيقه، وفضل عظيم أيضاً في بسط هذا المبدأ على الأرقام.  وما كان من الغير الاّ أن نقلوا وقلدّوا وحوّروا حسب احتياجات الزمان والمكان واللغات والانسان.

 

    

        
 
  

                                                                                                                                                             

Comments are closed.