سر التراث اللبناني … ترسخ الشعب في ذاته يولد رسالته

 

fadel2

بقلم الأستاذ الكبير الراحل فاضل سعيد عقل 

نشرت في مجلة الفصول اللبنانية / العدد رقم 13 – 1984

كل شعب غير مجذر، يعجز، ليس فقط عن إكفاء نفسه، بل حتى عن البقاء. فالارتباط بين الاستمرار وبين إرادة الاستمرار شرط أساسي للديمومة. لان الإرادة تفرض الواقع، والواقع يفرض الديمومة. والديمومة تهب الإيمان بضرورتها إلى المستفيد منها.

وحده المصر على الحياة يبقى ويدوم، العنيد في تشبثه بأرضه وتمسكه بما تمثله هذه الأرض وبما تضمه من رفات وذكريات وثروات، وما ينتج عنها من تقاليد ومظاهر وعادات، وما يتولد فوقها من قرابات ومصالح وعلاقات. أما الزاهد في كل هذا، فهو مخلوق هامشي لا يعرف متى تقتلعه رياح الفراق وأعاصير الدمار.

الشعوب الحية بتراثاتها، المجذرة في ارض أوطانها، الواعية رسالاتها، تنتصر دائماً في معركة البقاء، فلا يجرؤ الفناء على الاقتراب من أسوارها، لأنها لا تؤخذ بالقمع والقوة والتخويف والإرهاب، مهما كانت إمكاناتها ضعيفة وعناصر دفاعها ضئيلة، لان شعورها بوجوب بقائها يشكل طاقات للمقاومة لا نهاية لها بعكس الشعوب المترهلة في أصولها، المائعة الجذور، فأنها سرعان ما تتنازل عن حقها وتفقد كل قابلية للمقاومة وكل شهية للتضحية وكل مناعة للصمود وكل مبرر للاستمرار. عندها تكون عناصرها التكوينية العضوية قد شاخت وقواها قد وهنت وإيمانها قد خار ومخزون التصدي فيها قد انهار، فقبلت بالانقياد والتخلي عن طموحاتها ونسيت تحدياتها وعراقتها.

شعب لبنان الذي عمره الحضاري من عمر الحضارة الإنسانية الأولى، إلى ستة آلاف سنة خلت، كأنه اليوم شعب فتي عمره بالكاد نصف قرن. وهذا الشعب، الذي عاش قرابة أربعماية سنة تحت الحكم العثماني الاحتلالي، والذي تحرر منه بفعل مناعة المقاومة وإرادة البقاء، وصبر طول هذه المدة مناضلاً للتحرر من الاستعمار، هو من الشعوب الحية التي لا تموت وفي طليعة الشعوب الحية المجزرة، لأنه مزروع في ارض وطنه لبنان. تخللت تاريخه مراحل حلوة ومراحل مرة. إلا أن المرحلة الذهبية النموذجية في تاريخ تراثه الوطني، التي أبرزت جوهره الحق، كانت مرحلة حكم الأمير فخر الدين الثاني.

فخر الدين والتراث

نروح ونتغرب، مفتشين سائلين، ونعود حتماً إلى فخر الدين. لماذا ؟

لان فخر الدين الثاني كان الحاكم اللبناني غير المسيحي الوحيد الذي تفرد حكمه بالمميزات الرئيسية التالية:

أولاً- إيمانه المطلق غير المشروط بلبنان المتحد المتجانس غير الموصوف بنعوت وألقاب وغير المتعدد الهويات والانتماءات، أي الشعور السوي الثابت بإعلاء المصلحة الوطنية العامة وحدها والعمل في سبيل لبنان وحده، ولو اضطره ذلك، كما فعل، إلى عقد المحالفات الضرورية لتأمين تلك المصلحة مع دول بعيدة عن دول بيئته. فمصلحة الوطن العليا، أو ما يسمونه Raison d’Etat تعلو في نظره فوق كل مصلحة أخرى ولا تؤخذ أو تموه أو تبدل أو تذوب بالشعارات المظهرية المثيرة السطحية.

ثانياً – الترفع عن إقحام الأديان والطائفيات والمنازعات في شؤون الحكم مع الاحترام والتقدير للأديان والمعتقدات ورجالها. ونبذ ومحاربة كل محاولة استغلالية في هذا المجال. وقد أثبتت السياسات الانحرافية، التي اتبعت من بعده وحادت عن منهجه، كم كان على حق وصواب وكم كان الذين جاؤوا بعده على خطأ وضلال !

ثالثاً – تأسيس وتعهد وتوطيد الوحدة الوطنية اللبنانية، أرضاً وشعباً ومؤسسات وديبلوماسية ودفاعاًَ وقومية، على قواعد طبيعية غير مصطنعة، وإبعاد عناصر الإفساد والإهتراء عنها، وتكوين المجتمع اللبناني من خصائصها عن طريق إقناعه بها وبضرورتها إذا كانت لديه إرادة البقاء لإنجاح تلك الإرادة.

رابعاً – إبعاد الارتجال والانفعال والحساسيات والعصبيات والغرائز والتعصبات والتشنجات والرشوات والمداخلات والمضايقات وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تفشيل الحكم، والعقل والاعتبارات الإنسانية والمعطيات المجتمعية الحضارية في السياسة التي أرادها أخلاقية لا غشاشة ولا مزيفة.

خامساً – روح المبادرة والجرأة على اتخاذ القرارات المصيبة بعيداً عن أي مؤثرات وبإرادة تأمين استقلالية القرار، لان إشراك غير اللبناني في معركة تقرير المصير الذاتي اللبناني، أو القبول بفرض مشاركته فيها، هو اكبر الأخطار على لبنان وعلى تحقيق المصير. وعندما كان ييأس فخر الدين من محيطه كان يتجه إلى مراجع فعالة أخرى تؤمن له استقلالية القرار ودعم الإرادة الوطنية.

سادساً – وضع المعادلة الصحيحة للمسألة اللبنانية. معادلة فخر الدين كانت ” إن الحياة قبل كل شيء “. فالميت عاجز والحي قادر. الميت سلبية دائمة ورجوع دائم إلى الوراء وارتداد نحو الجمود. أما الحي فيستطيع التحرك والعمل والاتصال والتفكير والتقرير. لذلك كان فخر الدين يسعى دائماً وجاهداً إلى تأمين الحياة للبنان في الدرجة الأولى. فالتمتع بالحياة وحده يمكن أن يؤدي إلى تحقيق وصيانة الاستقلال والحرية والبناء التي كانت ثلاثتها هدف فخر الدين المباشر، أيمانا منه بأنه إذا كان محيطه الأقرب يريد إبادته أو السيطرة عليه فمن واجبه اللجوء إلى محيطه الأبعد الذي يحرره من كوابيس الخوف وأخطار الإبادة والتسلط ويبدل الأطماع بالطمأنة والتطلعات الفوقية بالمحالفات والصداقات على قاعدة إقرار المساواة والاعتراف بالحقوق والتعامل الحضاري.

سابعاً – المحافظة على التقاليد والعادات وحسنات التاريخ والمشاركة في صنع التاريخ وأحياؤها في قلب الشعب اللبناني وضميره وعقله لتظل هاجس تمسكه بإرادة البقاء.

ثامناً – وضع الذكاء والإخلاص والنزاهة والصراحة والصمود في صلب المبادئ الأساسية لخدمة الوطن. فالحكم، متى قام على هذه المداميك، يعصم من الغلط، ويعطي ثماره، ويحول دون أي رضوخ أو إذعان أو استسلام، ويعطي الدولة توجهاً تقدمياً راقياً.

تاسعاً – بناء دولة، لا مزرعة ولا مجمع مصالح. وبناء جيش وطني لا جيوش طائفية. وتشجيع المرافق المنتجة. لذلك كان حكم فخر الدين يوحي بالثقة لا بالحذر، وبروح التقارب لا التباعد وبالتوحيد لا بالتقسيم. ولم يكن في ظله خوف على الحياة أو شكوى من غبن في الحقوق، ولا مساوئ وظلامات ولا هيمنة ولا مطالبات 6 و 6 مكرر، بل كان فقط إيمان واحد بالمصير الواحد وجهاد من اجل تأمينه، ليظل لبنان وطناً حراً لشعب حر ودولة منتجة عادلة قوية متطورة. فخر الدين الثاني سبق عصره ومحيطه بتفكيره، في زمن غارق بالجاهلية، فلم يسمح بسرقة الماضي وسلب التاريخ، وكانت رؤياه المستقبلية ابعد من المستقبل، ورفض مصادرة الحقائق لاحتكار الحق والسلطة،، بل سخر السلطة لخدمة الحق ونشر الحقائق وبتاء الهيكلية القومية اللبنانية. ورسخ إرادة البقاء والالتزام بالتراث اللبناني في الشعب اللبناني وجهل ترسيخه فرضاً وطنياً عليهم.

مضمون التراث

ولكن ما هو مضمون التراث اللبناني؟ انه ينحصر في عشرة عناوين كبرى:

أولاً – توارث الإيمان بلبنان والمصير وباستقلالية القرار الوطني وبالحرية (خصوصاً بالحرية) وبالقيم الإنسانية والروحية التي هي مفزع الإنسان في شدائده ومنقذته منها.

ثانياً – الإيمان بغلبة الفكر والحق والكرامة على الجهد والتسلط والإذلال. والإيمان بعجز المادة أمام قوة النفس. والإيمان بأن الضعيف بإمكاناته المادية، القوي بحقه، أقوى من المتغطرس المتجبر، وبأن المحبة أفعل من الكراهية، وبأن المقاومة والتصدي في وجه العدوان على الشعب والحرية واجب مقدس، والإيمان بالتعامل يكون مع من يريد الخير لنا، وبأن الصديق ثمرة اختبار لا إجبار، وبأن الشقيق من نصر لا من قهر.

ثالثاً – عدم التخلي عن التقاليد والعادات، بل ممارستها، عن طريق التآخي مع الأرض ومع إنسانها، وتفهم متطلبات وضرورة الجغرافيا، والتعاطي مع الصخر والسهل، مع الجبل والشاطئ ، مع الطبيعة المحتضنة، والتمسك بالقرية وبالتراب الوطني، وبالعلاقات الإنسانية بين فئات الشعب كافة، واحترام خصائصها وميولها ونزعاتها، وإحياء الفولكلور الوطني.

رابعاً – تأمين التنشئة الوطنية والتربية المدنية التي تجعل المواطنين جميعا يحافظون على أصالتهم وأنماط معيشتهم وحياتهم وعطائهم وتعاملهم وتطورهم الحضاري.

خامساً – تعهد الإشعاع الفكري والثقافي اللبناني والمحافظة على طابعه المميز وخطه الفريد، باعتبار لبنان ابا الأبجدية، وتعليم اكثر من لغة في مدارسه تقليداً عريقاً قدمه، وتدريس الشرائع والقانون من مبادراته الأولى، ابتداء من العهود الفينيقية وامتدادا إلى مدارس السنديانة ووصولاً إلى أيامنا هذه التي حولت لبنان إلى واحة للمدارس والجامعات والمعاهد والمؤسسات الثقافية، من أدبية وعلمية، وهذا ما لم يجاره فيه أحد. كما لم يجاره أحد في كونه موئلا لأول مطبعة وأول صحيفة وأول كتاب..

سادساً – الانتشار اللبناني في العالم وتحويله إلى طاقات كونية توضع في تصرف لبنان دائماً لإعانته على تجاوز المراحل الصعبة من تاريخه ولإلقاء الجسور ومدها بين لبنان وكل القارات بحيث تكون شبكة متينة مدهشة من الحصانات والضمانات عبر المصالح والعلاقات.

سابعاً- لبنان ورشة عمار وبناء وعمران وإنماء لا تتوقف فيها الحركة من اجل التقدم والتطور بحيث يظل من دول الطليعة في العالم ومثلا يحتذى به في النهوض من الكبوات والتغلب على المصائب ومصدراً للعطاء والتجديد والاستنباط.

ثامناً – تفضيل المجتمع المتعدد المتحد والوطن الواحد المتجانس والمحافظة على التسلسلات العائلية وتفاعلاتها وما ينتج عن ذلك من غنى روحي ومن ثروات إنسانية.

تاسعاً – الإيمان بحتمية الوصول إلى الهدف والانتصار على القهر ودعم حكم العدالة والاعتراف بقيمة الفرد وقيمة الشعب وقيمة الأمة اللبنانية الفضلى.

عاشراً – الإيمان بأن لبنان ليس مساحة ارض فقط، بل بأنه، كما لا نزال نردد مع فؤاد حداد، مساحة روحية، والإيمان بما بترتب على ذلك من امتيازات وخصائص وضرورات تدفع عن اللبنانيين مغبة الوقوع في المفاجآت.

دستور الإنقاذ

ما هو التراث اللبناني؟ هو مجموعة كنه هذه العناوين.

ما هو سر هذا التراث اللبناني؟ سره هو في الإيمان برسالته وقيمه وفاعليته وديمومته ووجوب استمراره. وهو الاقتناع بهذا الإيمان الذي يجب أن يكون فعلياً حسياً، بل وميدانياً.

سر التراث اللبناني هو في التواصل التاريخي والاتصال غير المنقطع بالماضي وجعل المرآة الوطنية ذات وجهين لتعكس الحقيقة اللبنانية بين ما عبر وما سيعبر.

ورسالة التراث اللبناني هي رسالة سلام وانفتاح: سلام الروح والقلب والمجتمع والحياة والعلاقات الدولية وانفتاح على الكون بأسره لمحاولة استيعاب حقائقه ومتطلباته وخصائصه.

هذا هو دستور الإنقاذ اللبناني وميثاقه التاريخي.

وهو، في الدرجة الأولى، الحرية.

ولأننا، في بعض مراحل حياتنا، أغفلنا أمر حريتنا، وفرّطنا في فهم تراثنا والمحافظة عليه، وتساهلنا وشككنا في أمور مهمة كثيرة أخرى، نزلت بنا الكوارث. لقد صبر الزمان والتاريخ والمنطق علينا كثيراً، وغفر الثلاثة لنا كثيرا كوننا لم نحسن اغتنام الفرص، وكوننا أسأنا اختياراتنا، وكوننا لم نقدر للمواقف حق قدرها، كوننا تجاهلنا مصلحة امتنا اللبنانية.

ومع ذلك، وان أمهلونا، فانهم لم يهملونا، حتى لكأن ليست لنا فرصة أخيرة. فلا تزال الفرص أمامنا، يشفع بنا تعصبنا لوطننا حتى لقد صرنا أحياناً وكأننا من العنصريين في حبه والتعلق به، كما يشفع بنا هيامنا بالحرية اللبنانية وصمودنا في أرضنا، وحتى لكأن التاريخ عكس آياته ونواميسه معنا فكذب نفسه عندما قيل عنه انه لا يوفر للآنسان ذاته الفرصة ذاتها مرتين.

هيامنا بحريتنا اللبنانية دائما ينقذنا.

وهيامنا بها ناتج عن أن الحرية قاعدة حياة واستمرار ونجاح وسبق اللبنانيين.

حريتنا هذه، التي بني عليها تراثنا، أي قاعدة وجودنا، لها أربعة عشر من المواصفات والطوابع الملازمة لم تصل مفاهيمها إلى أقطار المنطقة:

1 – الحرية حق لكل فرد، لوطنه وله ولكل مواطن.

2- الحرية واجب: على الدولة والمواطن تحصين الحرية وصيانتها وتعهدها وتمنيعها.

3- الحرية قيمة: إنها شرط حضاري للإنسان المتطور المبدع.

4- الحرية امتياز: إنها واجبة الوجود ولاصقة بالإنسان.

5- الحرية شاملة: أنها للجميع وليست تخصيصاً لفئة دون أخرى أو احتكاراً لأشخاص معينين أو لجهات معينة.

6- الحرية كاملة: إنها واحدة ولا تتجزأ ولا تقسم.

7- الحرية فعلية: إنها ممارسة يومية.

8- الحرية دائمة: لا يمكن التراجع أو التنازل عنها.

9- الحرية هادفة: فهي لحماية الحقيقة والكرامة والحق.

10- الحرية نظام: إنها نسق حياة تستعدي في مسارها الإنفلاش والفوضى وتقوم بدور المكابح للتجاوزات إذا لم يساء فهمها والتمتع بها.

11- الحرية مسؤولية منفتحة: فهي توطيد للفكر تتجلى من خلالها الطبيعة الإنسانية بكل حسناتها وتكتشف مواهبها المكنونة.

12- الحرية متطورة: لا يمكن أن ترجع بها عجلة التخلف إلى الوراء.

13- الحرية مناقبية: إنها تلزم أهلها بالدفاع عنها وعن المؤمنين بها وعما تمثله من قيم وأهداف سامية ومن منطلقات للارتفاع بالإنسان.

14- الحرية عالمية: بموجبها الإنسان الحر أخو الإنسان الحر أينما وجد، ويحتم وجودها على أي مواطن عالمي حر الدفاع عنها وعن الهائمين بها حيثما كانت وكانوا مهددين في وجودهم ووجودها.

إلا أن لبنان، لأنه وطن حرية منذ آلاف السنين، يتعرض اكثر من غيره للاضطهاد، بل أن دولاً مزعومة حرة شاركت في الهجمة عليه، لأن التراث اللبناني الحر يشكل خطراً على بعض الأنظمة ومنها أنظمة مزعومة حرة.

لاءات التحديات

وزاد في شراسة الهجمة على لبنان كونه واجه أعداء الحرية اللبنانية، على ممر تاريخه، بجملة <<لاءات>> باتت من صميم أجزاء تراثه.

ف<<لا!>> لكل نظام يتنافى مع الحرية.

و<<لا>> لكل نظام يتنكر لله وللقاعدة الروحية له ولتصور الإنسان كمخلوق منحدر من الألوهية وللحقوق التي أعطاها الله له، وفي مقدمتها الحرية.

لا ! لمجتمعات تضطهد الحرية باسم الحرص على الحرية، وللأنظمة التي تفرض الدولة فيها قراراتها الجائرة على الشعوب فرضاً بدون استئذان ولا موافقة ولا شورى.

لا ! للأنظمة التي تموه الوقائع والحقوق لتتقن عملية الخلط والدمج بين الحق والباطل.

لا ! لتقنيات الكذب والتضليل والاستغلال، المعيبة والمؤذية.

لا ! للأنظمة التي تشجع وتؤآزر وتغذي النزعات والتنظيمات الإرهابية باسم ذرائع إنسانية ومبررات سفسطائية

وحجج متناقضة (علما بان الإرهاب العدواني الأعمى المأجور من اكبر تحديات ونكبات هذا العصر.) فتساعدها بذلك على قتل وتعذيب الأبرياء والمدنيين تحت شعارات تحريرية زائفة، وعلى الإفادة من أساليب لا إنسانية تعمي البصائر بايدولوجيات تبيح إبادة الناس وتدمير الثقافات … وبأساليب ملتوية شاذة تخدع ذوي النوايا الطيبة. هذه ال(( لاءات )) لم يتهاون لبنان ولم يهاود ولم يساوم حولها أبداً. لأنه مؤمن بالحرية في وجه الأخطار الشديدة التي تتهددها، بل يجب أن تكون هذه البادرة اللبنانية أساساً لمبادرة دولية. يجب عقد مؤتمر لمحبي الحرية في العالم ووضع شرعة دولية وهيكلية تنفيذية لمحاربة النفاق السياسي وتثبيت دعائم دولة الحرية والكرامة وتقديس الحق والاتفاق على فعل إيمان واحد بالحرية. وهذا المؤتمر في مقدور المجاهدين باسم الحرية وتحت رايتها ومن اجل إنقاذها، عقده، أياً كان مبلغ ممانعة أعداء الحرية لهم، لان التاريخ اثبت أن الصغار والمجهولين، الذين بعملهم يحيون وطناً، يمكنهم أن يفرضوا على حكامهم مصارحتهم بالحقيقة واطلاعهم عليها، بل أن يرغموا الحكام على وقف سيل أكاذيبهم المتدفقة عبر وسائل الإعلام المسخرة. أنصار الحرية يريدون الانتهاء من حالات القلق التي تواجهها الحرية، بعد أن أمست الشعوب تتأرجح اليوم بين الأمل والخوف ، بين الثورة والاستسلام ، بين القبول والرفض ، بين الاستمرار ومحاولات التذويب. ومن مصلحة لبنان أن يخوض هذه المعركة حفاظاً على تراثه، وان يؤمن لذلك أسس نجاحه في الداخل وكسب ثقة الخارج، بالاستقرار السياسي والتجانس والهدوء المجتمعي وقوة النقد والعطاء المتقن.

من هنا، ينبغي مساعدة وتشجيع وإنقاذ الشعوب الصغيرة والضعيفة — ومنها لبنان — التي تستميت في الدفاع عن هوياتها أو في التفتيش عن طرق تثبيتها، أو في الحرص على خصائصها ومميزاتها وابتكاراتها.

سيأتي يوم تطالب فيه الدول القادرة والمسماة (( حرة )) التي كان في وسعها، ومن واجبها، المساعدة، فلم تفعل، سيأتي يوم تطالب فيه بتأدية الحساب عما فعلته من أذى وعما لم تفعله من واجب. عندئذ لا يعود يحق لها، ولن يكون من واجبها، التبشير بالفضيلة والأخلاقية وقيمة الواجب، لأنها تكون قد خانتها كلها.

واقع مناقض للتراث

لبنان، كغيره من أمثاله، مهدد في صميم تراثه وبانهيار مجتمعه، بسبب التباين الشاسع بين النظرية والتطبيق، وبين إعلانات الدول ومواقفها، فضلا عن الأسباب الأخرى.

حتى مبادئ الثورة الفرنسية (حرية،مساواة، إخاء)، التي تبنتها شرعة حقوق الإنسان الدولية والأمم المتحدة ودساتير معظم بلدان العالم، قد تحولـت إلى أقنعة تخفي الواقع المر وراءها.

هذا الواقع، هو أننا رهنا ذرياتنا وأنفسنا دون أن ندري لأبشع أنواع الاستغلال إذ تخلينا جزئيا عن تراثنا أو عن الإيمان به أو عن العمل بموجبه يوم سلمنا أمانة الخدمة العامة ومهمة إنقاذ إنسانية لأناس يأكلهم الطمع والروح الكسبية، فطمعوا في جهودنا وخيراتنا واستغلوا عرقنا ودمنا وتعبنا وأخضعونا لحاجاتهم الإدارية والسياسية، ومارسوا علينا نظام العمل الإجباري المسخر، في محاولة من ضمن عمليات نزع سلاح الضمائر، وبذلك باتت روح الانهزام والتسليم مرض الإرادة عند الشعوب الضامنة والكافلة.

التخلي عن التراث يكون بالإقبال على النهم . إنها قصة المضادات القائمة على قوة الاغراءات، نعوز بالله أن يكون لبنان أحد حجارة هذه اللعبة هناك دول أتخمتها الثروات والملذات وكثفت مراحل استكانتها شعور الطمأنينة لديها، فألهتها عن الأخطار المحدقة بها. تهتف لأبطال حقيقيين أو تخترع أبطالاً وهميين. لأنها بحاجة إلى بطولات ولو كانت زائفة كي تريح نفسها من الأعباء وتضع أحمالها على كواهل هؤلاء الأبطال. أن مهراجاناتها وتظاهراتها تتعالى فيها هتافات الانحطاط المرتسم على محياها. ملايين من الناس أكلوا فوق شبعهم، فلم يعودوا يرون الملايين الجائعين المحرومين من لقمة واحدة ، والذين يموتون بالألوف كل يوم.

ملايين الاتكاليين الذين تخلقوا بعادات البطر يقلدون الشهداء ويتنكرون بمظاهر الفقراء أحيانا لافتعال ظاهرات إنسانية تتبراء منهم ، تحت شعارات المحبة والسلام وحق التمتع، غير مبالين بما يثيرونه من تفاعلات متقززة يختلط فيها الاستغراب بالقرف والذل. انه افظع الاغتراب عن الحقيقة للذين لا يقدرون نعمة الإنسانية بل يستغلون ناسها لغايات الاستفراس بحق الخائفين على مصيرهم وفي الوقت ذاته الخائفين من تضييع تراثهم عن طريق التخاذل والقاء السلاح .

وهكذا يستمر التحريف لتسهيل تمرير الاستغلال. وتبقى اللامبالاة والحقارات لتعّود الناس على عدم السؤال. فعدم السؤال بحد ذاته تسليم بالجهل وبضرورته واستسلام للأمر الواقع القذر. وكاد لبنان أن يصل إلى حافة عدم السؤال. هذا النوع من الإنوحاد والنضال هو الاستقالة من حق المطالبة بالحقوق لأنه يدك المجتمعات لصالح أفراد مهيمنين مستغلين. يشيعون في النفوس سلطة التوهم عن طريق ترويج ثمن السلام بالتمتع بالحريات عبر أنظمة لا تؤمن بالسلام وتضطهد الحرية وترفض الحياد وتريد تجريده من قوته، لان الحياد بدون مقوماته لا يمكن أن يعيش.

وبذلك تتم عملية التحويل ويصبح الاستعباد يزيل الحرية عبر التنازل عن التراث. هؤلاء المهيمنون المستغلون يريدون الناس أدوات تفرغ نفسها لتحافظ عليها. فكيف يمكن المحافظة على الشيْ بالتخلي عنه؟ وهل ثمة تناقض افضح من هذا؟ وهل من وسيلة لتجريد وطن من ذاته أجدى من توقف روحه عن أن تكون وعن أن تظل روحاً، ومن خنق ضميرها وطمس معالم تاريخها وتدمير معانيها وتنسيها قيمتها وشخصيتها وعنفوانها ومقومات حياتها؟

فهل من وسيلة لقتل أمة افضل من قتل إنسانها الذي يجعل منها أمة، علما بأن الأمة، كما قال رينان، هي الاستعداد الفوري الآني للموت من اجل قضية ل يرتبط بها بأي مصلحة شخصية.

… وهل من وسيلة افضل…من جعل الحرية والكرامة ثمناً للحياة، اياً كان نوعها وشكلها، بدل أن تكون الحياة هي ثمن الحرية والكرامة اللتين لولاها لما استحقت الحياة أن تكون، واللتين لا يضاهي اغترابها عن الحياة سوى اغتراب الإنسان الحي عن حياته، وهي اعظم واثمن ما يملك؟

وان افضل طريقة لقتل الأمم هي تحطيم المفاهيم الوطنية والأصول في عقول شعوبها وغرس الشعوبية مكانها، الشعوبية الخالية من العاطفة، وعدم التعلق بشيء وبأرض وبتراث وبجذور وبحضارة وبكيان وبطموحات؟

ممارسات العدمية

الانسلاخ عن الذات هو التخلي، عن الميراث. ولبنان يمر اليوم بمثل هذه التجربة الخطيرة والمرحلة الحاسمة. ولكنه استطاع، حتى الآن، ورغم كل مغريات الانسلاخ وكل تجربات التخلي، التصدي لها والتغلب عليها والتحرر من ويلاتها الابادية. الشعب اللبناني، المتمثلة فيه حضارة معينة، هي مزيج من تفاعل عدة حضارات، شرقية وغربية، عبر أرضه وشعبه، يشكل الأمة الوحيدة التي حافظت على تراثها حياً معاشاً من خلال عشرات القرون، ولا يزال محافظاً عليه دون سائر الشعوب المشرقية، وذلك لان الشعوب الأخرى في المشرق التي تتألف من مجموعاتها اثنتان من الثلاثية السلالية المشرقية، متلهية بالماضي ومآسيه ونكباته. فالعرب ما زالوا يندبون العز الأندلسي ولا يحلمون إلا بإعادته إلى ماضيه، ومن خلاله الماضي الذي يستمر في روع الكثيرين منهم بحيث لا يعملون ولا يفكرون الا بهدف استعادته، واليهود يندبون الهيكل المدمر ولا يحلمون الا بأعادته الى ماضيه. ويتجلى الندب المزدوج حتى في الموسيقى الكئيبة التي تضج بالحنين الملتاع الباكي الى الماضي. اما شعب لبنان، فلا يزال الوحيد الذي بتمتع بتاريخه حاضراً وبرسالته ماثلة وبواقعه الثابت وبآفاقه المنفتحة دائماً على طموحاته الحضارية التي في حجم تحدياته الصمودية. وهو يتدبر أمره في ضوء تراثه الاصيل الذي له من مناعته ما يحصنه ضد اخطار الزوال الذي يريده له الكثيرون.

الأمم كالافراد، لا يمكن المحافظة على كيانها وذاتيتها اي علة وجودها الا بالمحافظة على خصائصها ومميزاتها واصولها. ذلك لان التراث الوطني خزانة الخصائص الحياتية وخلاصة انماط المعيشة وحصيلة التصرفات والتكيفات الاجتماعية والنور على طريق المستقبل. والارتباطات بين الوجود المستمر والتراث يجب ان تكون حتما ماثلة وفاعلة في كل المواجهات والاحتمالات والحلول المستقبلية بهدف المحافظة على التراث. هذا ما وعاه اللبنانيون دائماً، وهذا ما يطلب منهم ان يظلوا محافظين عليه في الحاضر وفي المستقبل. ويبقى الشعب اللبناني يتلو فعل إيمانه اليومي، الذي يكرس استمرار وطن:

أؤمن بلبنان واحد هو أبي وأمي، سرمدي، مستقل، موئل للحرية، متبوع غير تابع، حضاري الانتماء، لبناني الهوية، غير موصوف ولا منعوت، قائد غير مقود، منبثق من جوهر الوجود الإلهي، ذي تراث أصيل، وحضارة فاعلة، و تاريخ ومجيد، وشخصية فريدة، ورسالة خالدة، وإشعاع ثقافي، وانتشار عالمي، عامل للقيم الروحية والمثل العليا الانسانية، متجند للعدالة, مبشر بالمحبة والسلام، ممارس للحرية، صامد في وجه مقاطعة الطبيعة وعدوان البشر، متمسك بميراثه، متطور أبداً. مناضل للحقيقة، مستشهد في سبيل وجوده وكيانه وديمومته ومساهمته الدولية الراقية، حيّ بكرامة، مغيث كل ملهوف، منجد كل مستغيث، بارّ بالعهود، مساعد كل مظلوم، مقاوم كل أنواع الطغيان والتسلط والهيمنة والخوف والعنف والإرهاب، منفتح على كل التيارات والمدنيات والمعتقدات، آخذ بالريادات، محاور إلى أن لا يجدي الحوار، محارب حيث لا بدّ من حرب للدفاع عن حقه والمحافظة على وجوده، قائم على وحدة وطنية عضوية صادقة، ممسك بأهداب الغد، سيد مصيره وقراره الوطني المستقل، عنفواني، متحرر من كل مركب نقص، عدو كل استعمار واحتلال واستثمار الإنسان للإنسان. أؤمن بأن لبنان حي بجوهره لا يموت، ولا يخون نفسه، وبأنه باق كما هو إلى نهاية العالم. آمين