lebanonism.com Rotating Header Image

إيليا أبو ماضي 1889- 1957 سيرته ومقتطفات من شعره

Elia Abou Madi

هو إيليا ضاهر أبي ماضي من كبار شعراء المهجر في أمريكا الشمالية ، ولد في المحيدثة – المتن الشمالي -لبنان عام 1889م وهاجر إلى مصر سنة 1900م وسكن الإسكندرية وأولع بالأدب والشعر حفظاً ومطالعة ونظماً ، وفي عام 1911م أصدر ديوانه الأول ( تذكار الماضي ) وهاجر في نفس العام إلى أمريكا وأقام بمدينة سنسناتي واحترف التجارة وفي عام 1916م انتقل إلى نيويورك حيث انظم إلى نخبة الأدباء المهجريين الذين أسسوا الرابطة القلمية وفيها طبع ديوانه الثاني الذي قدم له الشاعر جبران خليل جبران وانصرف منذ ذلك الحين إلى الصحافة فعمل في جريدة مرآة الغرب ثم أصدر جريدة السمير أسبوعية ثم يومية عام 1929م في بروكلن إلى أن توفى في نيويورك سنة 1957م.

أصدر ديوانه الثالث الذي قدم له الشاعر ميخائيل نعيمة عام 1925م

وفي عام 1940م أصدر ديوانه” الخمائل ” وقد نظم بعد ذلك شعر كثير نشرها في الصحف والمجلات في الوطن وفي المهجر.

شاعر الطبيعة والعذوبة

قل المجيدون وكثر المتشاعرون في زمننا الحاضر. سنّة الطبيعة أن يتوالد البعوض بالملايين, وأن لا تلد الصقور إلا عدداً قليلاً. والشاعر المهجري إيليا أبو ماضي ينتسب الى فصيلة الصقور والى الشعراء المبدعين الكبار.

فلسفة أبي ماضي

جعـل أبو ماضي من شعره منطلقـاً لأفكـاره الفلسفـية التي صاغها ببلاغة وسهولة ومـرونة بيان. فلسفـته في الكـون, وما وراء الطبيعة, وفي الوجـود والعدم, وفي الـروح والحقيقة, اعتمـدت عـلى مبـدأ إعتنـقه عـدد من الفلاسفة الذين رأوا في البحث عن هذه الأمور مسألة عقيمة لا تؤدي بصاحبها الى حل تلك الأسئلة التي راودت المفكرين منذ زمن بعيد جداً, فالفكر في نظرهم لا يستطيع أن يتخطى حدوده المادية ليصل الى اكتشاف حقائق مجهولة تتعدى قواه الفكرية. وكان قد سبق أبي ماضي من الشعراء في هذا المبدأ الشاعر الفارسي عمر الخيام الذي يقول:

“أتى بي لهذا الكون مضطرباً فلم تزد لي إلا حيرة وتعجّب
وعدت على كره ولم أدر إنني لماذا أتيت الكون أو فيم أذهب”

وأبو ماضي يقول في قصيدته الطلاسم:

“جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت وأبغض فيمسي الكون سجناً مظلما
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت والمرء لولا الحب إلا أعظما
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت فتألمت من قبل أن تتألما
كيف جئت, كيف أبصرت طريقي الله لم يخلق لنا غير السم”
لست أدري”.

أخذت فكرة عدم تلاشي الإنسان بعد الموت تلاشياً كلياً في التراب, تزداد سنة بعد سنة رسوخاً في رأس أبي ماضي, بحيث نجده ينشر في مجلته “السمير” مقالاً جعل موضوعه الإنسان وما يوجد فيه من غرائب. ورأى أن الإنسان مجمع غرائب, وملتقى الأسرار والأحاجي؛ فيه من الحيوان شيء, ومن النبات شيء, ومن الجماد شيء, وأعظم من هذا كلّه فيه شيء من الإله.
وإيمان أبي ماضي بأن الإنسان بعد موته سوف يعود فيولد من جديد إما حيواناً أو نباتاً تدب فيهما الحياة, هو إيمان استقاه من بعض أقوال الفلاسفة القدماء الذين كانوا يقولون إن الإنسان الفاضل سيتحوّل بعد موته عن طريق التناسخ الى زهرة, فوّاحة العبير, والإنسان الشرير سيتحوّل الى حيوان.
لقد جاء الإنسان الى هذه الدنيا مكرهاً, وسيفارقها مكرهاً, فهو لا يعلم لذهابه موعداً, حياته لغز حيّر عقول العلماء والشعراء والمفكرين, وذهابه لغز أيضاً, لا يعرف كنهه إلا خالقه. فكلما أوهمنا أنفسنا باقترابنا من معرفة الحقيقية, حقيقة الوجود, نكون قد ابتعدنا كل الإبتعاد عن معرفتها الحقّة.

نبذ الطائفية

لقد التفت شاعرنا حوله فإذا الناس على خلاف دائم حول الأديان الكثيرة, وحتى ضمن الدين الواحد, ووجد المذاهب المتعددة والطوائف المختلفة, كل مذهب يمجّد مبادئه ويدحض مبادئ الآخر, والناس في خضم هذه الفوضى الفكرية.
التناحر الطائفي والديني, زرع في أعماق أبي ماضي بذور الشك بالأديان والمتدينين, الأمر الذي جعله يتخطى الطوائف المختلفة فقاده فكره الى الإله الواحد, واجب الوجود؛ آمن بربّ واحد حكيم, خلق هذا العالم, ورتبه, ونظمه, إنه إله المحبة الشامل, الذي من المفترض أن يكون الإنسان على شاكلته, مفعم بالمحبة. فالمحبة تنير وتجمع الشتات الإنساني, في حين ان الكره والبغض يظلم ويمزّق. يقول شاعرنا:

“أحبب فيغدو الكوخ كوناً نيّراً
ما الكأس لولا الخمر إلا زجاجة
كم روّعوا بجهنم أرواحنا
ليست جهنم غير فكرة تاجر”

هذا الطريق المحفوف بالمخاطر والأشواك, بالشك والظنون, ابتعد عنه أبو ماضي وأخذ يسلك دروباً شائكة في الحياة, نظر حوله فإذا العالم كله ينحدر ببطء نحو الزوال, وما الخلود سوى ضرب من الخيال, تراب فتراب, حياة كلها هباء, وجميع العناصر الحية, الى فناء, فإلى أين المفر؟ إنها المأساة والصراع الذي يمزّق رغبات الإنسان المكبل بهواجس القنوط واليأس والشقاء, والعدمية, ويقوده الى التشاؤم المرير.

عشق الطبيعة

لا أظـن أن شاعـراً أحـب الطبيعة أكـثر مما أحبـها أبو ماضي. لقد انعـكس جمالهـا في جمـال نفسـه, وصـفاء سمائـها في صفاء ألحانه, وانعكست عذوبة مائـها في عذوبة ألفـاظه ودقـة نواميسها في دقّـة ملاحظاتـه, وكأن الطبيـعة شعـرت بصدق حبـه لها, فباحـت لـه بأسـرار سحرهـا, وأباحـت له صوغها شعـراً.
كان أبــو ماضـي يرى في كائنـات الطبيعة الأصدقـاء الأوفـياء له. إذ كان كلما بثّهم شكـواه يجد عـندهم آذاناً صاغية, وقلوبـاً مفتوحة واعية, وكثيراً ما كان يلتـقي بأصدقـائه هؤلاء إما في أماكنـهم المعتـادة في البرية, أو في منـزل أحـد الرفـاق والأقربـاء. وقد فُجعت عينـاه ذات يوم برؤية زهـرة مسجونـة في إناء في أحـد الصالونـات الفخـمة, فتألم أشد الألـم لدى رؤيتـها, لأنـه لم يكن باستطاعتـه أن يخلّصها من سجنـها وعذابها. فأنشد:
“لعمرك ما حزني لمال فقدته ولا خان عهدي في الحياة حبيب
ولكنني أبكي وأندب زهرة جناها ولوع بالزهور طروب
رآها يحلّ الفجر عقد جنونها ويلقي عليها تبره فيذوب”

كان يـرى في الروابـي جـمالاً ومهابة, وفي خرير الجدول المنسـاب جذلاً وحبوراً, وفي المرج الخطيـب بشاشة وابتسامـة, وفي الوادي العميـق الأغـوار شعـوراً بالحزن والكآبـة, وكلما أرخـى اللـيل سدوله على الكائـنات, كانت عيـناه تبصـران ما فيها من جمـال. وقـد آل على نفـسه أن يكون رسـول الطبيعـة الى البشـر, ليدلهـم على مواطـن الجمـال فيهـا, وليحبـب إليهـم العيـش في أحضانـها والتـقرّب من كائنـاتها على غـرار ما دعـا إليه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو.
فشاعرنـا يتأمل الطبيعة, ويـدرس مظاهرهـا, ويتتـبع أسرارهـا, شأنـه شأن كل شعراء الرابطة القلمية, فيخرج من دراسته وتأملاتـه بمقارنـات ومقابـلات وحكـم شتى, أهمـها أن الطبيعة صالحة تنفـع جميع البـشر, وتقدّم النفـع لهـم من دون أن تسأل, وهي لا تفرّق في تقديم نفعها بين إنسـان وآخـر, فيا ليـت الناس يقلدون الطبيعـة في العــطاء. ونجــد عنـد شاعرنــا نزعـة إنسانية خالصة, تسمـو على كل النزعـات, وروحـاً عالياً يفـوق كل الأرواح, إنـه يحـب الناس ويحـب الحياة التي أوجدت الناس, ويدعوهـم الى محبتـها ففيـها كل الخـيـر والجـمـال.

أبو ماضي والحب

قبل زواجه اجتاز أبو ماضي عدداً من التجارب العاطفية القاسية, حيث كان يخرج منها في كل
مرة صحيحاً سليماً, إلا تجربة واحدة فقط من بينها وهي تجربة كادت تصيب منه مقتلاً, جاعلة منه أحد الشعراء العشاق الكبار الباكين على فراق المحبوبة الظالمة, المتألمين من جراء صدّها المتعمد لهم.
وقد ظل شاعرنا فترة غير قصيرة مصدّقاً ما قالته المحبوبة له. وهو يعيش أسعد أيامه, لأنه كان يقضيها بقربها, وفجأة وجدها تتخلى عنه, تاركة إياه يندب فراقها, فيقول:

“إنما تلك أخلفت قبل ليلين من موعدي
لم تمت لا وإنما أصبحت في سوى يدي”.

محبوبته هذه, جعلها عروسة قصيدته “الداليّة” وهي نفسها محبوبته هند التي جعلها عروسة قصيدته “الغابة المفقودة” حيث يحدثنا عن تلك الأيام العذبة الجميلة, والرحلات الخلوية الممتعة التي قام بها ومحبوبته الى تلك الغابات, قبل أن تصبح “في سوى يده” فيقول:

“يا لهفة النفس على غابة كنت وهنداً نلتقي فيها
أنا كما شاء الهوى والصبا وهي كما شاءت أمانيها
نباغت الأزهار عند الضحى متكآت في نواحيها
لله في الغابة أيامنا ما عابها إلا تلاشيها
طوراً علينا ظل أدواحها وتارة عطف دواليها
وتارة نلهو بأعنابها وتارة نحصي أقاحيها
وإن تضاحكنا سمعنا الصدى يضحك معنا في أقاصيه”

خصائصه الشعرية

إذا أردنا أن نتـتبع خصائص شعر أبي ماضي منذ ارتبط بالرابطة القلمية, فإننا سنجد الكثير من مميزاتها عنده, فهناك الشعر التأملي الروحي الذي يغلب على مقطوعاته في ديوانه الجداول من مثل: الناسكة, نار القرى, الزمان. وغيرها. وأصبحت المادة لا تعني شاعرنا بكثير أو قليل, فهو شاعر يعيش بالروح ويهتم بالنفس.

تقسم مسيرة أبي ماضي الشعرية الى قسمين: قسم ما قبل الهجرة, وفيه لم يكن لشعره خصائص مميزة, والقسم الثاني ما بعد الهجرة, وفيه أظهر شاعريته الناضجة فكرياً, والمتحررة أسلوباً. وأهم ما نلاحظه في شعره هذا, الأسلوب الحواري, إذ نراه يخاطب أناساً يعرفهم ويأخذ منهم ويأخذون منه, كل ذلك في شعر متماسك موسيقي عذب ذي هدف.

آثاره

ـ ديوانه تذكار الماضي.
ـ الجداول.
ـ الخمائل.

المصدر: مجلة الجيش

 

مقتطفات من شعره

الطلاسم

للشاعر إيليا أبي ماضي

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري

وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟
أأنا السائر في الدرب؟ أم الدرب يسير؟
أم كلانا واقف والدهر يجري؟
لست أدري؟

أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجودْ؟
هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودْ؟
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقودْ؟
أتمنى أنني أدري ولكن
لست أدري

ليت شعري وأنا في عالَم الغيب الأمينْ
أتراني كنت أدري أنني فيه دفينْ؟
وبأني سوف أبدو وبأني سأكون؟
أم تراني كنت لا أدركُ شيئاً؟
لست أدري

أتراني قبلما أصبحت إنساناً سويَّا
أتراني كنت محواً؟ أم تراني كنت شيَّا؟
ألهذا اللغز حلٌّ؟ أم سيبقى أبديَّا؟
لست أدري ، ولماذا لست أدري؟
لست أدري

قد سألت البحر يوماً : هل أنا يا بحر منكا؟
هل صحيحٌ ما رواه بعضهم عني وعنكا؟
أم ترى ما زعموا زوراً وبهتاناً وإفكا؟
ضحكت أمواجه منِّي وقالت :
لست أدري

أيها البحر أتدري كم مضت ألفٌ عليكا؟
وهل الشاطئ يدري أنه جاثٍ لديكا؟
وهل الأنهارُ تدري أنها منك إليكا؟
ما الذي الأمواج قالت حين ثارت؟
لست أدري

أنت يا بحر أسيرٌ آهِ ما أعظمَ أسرَكْ
أنت مثلي أيها الجبّارُ لا تملكُ أمرَكْ
أشبهَتْ حالُك حالي وحكى عذريَ عذرَكْ
فمتى أنجو من الأسْرِ وتنجو؟
لست أدري

ترسلُ السُّحبَ فتسقي أرضَنا والشجرا
قد أكلناكَ وقلنا قد أكلنا الثمرا
وشربناكَ وقلنا قد شربنا المطرا
أصوابٌ ما زعمنا أم ضلالٌ
لست أدري

قد سألتُ السحْبَ في الآفاقِ هل تذكرُ رملَكْ؟
وسألت الشجرَ المورِقَ هل يعرفُ فضلَكْ؟
وسألتُ الدرَّ في الأعناقِ هل تذكرُ أصلَكْ؟
وكأنِّي خلتها قالتْ جميعاً:
لست أدري

يرقصُ الموجُ وفي قاعِكَ حربٌ لن تزولا
تخلقُ الأسماكَ لكنْ تخلقُ الحوتَ الأكولا
قد جمعتَ الموتَ في صدركَ والعيشَ الجميلا
ليتَ شعري أنتَ مهدٌ أم ضريحٌ؟
لست أدري

كم فتاةٍ مثلِ ليلى وفتىً كابنِ الملوَّحْ
أنفقا الساعاتِ في الشاطئ تشكو وهْوَ يشرحْ
كلَّما حدَّثَ أصغتْ وإذا قالتْ ترنَّحْ
أحفيفُ الموج سِرٌّ ضيَّعاهُ؟
لست أدري

كم ملوكٍ ضربوا حولَكَ في الليلِ القبابا
طلعَ الصبحُ ولكنْ لم تجدْ إلا الضبابا
ألهم يا بحرُ يوماً رجعةٌ أم لا مآبا؟
أهمُ في الرملِ قال الرملُ : إنِّي
لست أدري

فيك مثلي أيها الجبّارُ أصدافٌ ورملُ
إنَّما أنت بلا ظلٍّ ولي في الأرضِ ظلُّ
إنَّما أنت بلا عقلٍ ولي يا بحرُ عقلُ
فلماذا يا تُرى أمضي وتبقى؟
لست أدري

يا كتابَ الدهرِ قلْ لي ألهُ قبلٌ وبعدُ؟
أنا كالزورقِ فيهِ وهْوَ بحرٌ لا يُحدُّ
ليس لي قصدٌ فهلْ للبحرِ في سيريَ قصدُ؟
حبَّذا العلمُ ولكنْ كيف أدري؟
لست أدري

إن في صدريَ يا بحرُ لأسراراً عجابا
نزلَ السترُ عليها وأنا كنتُ الحجابا
ولذا أزدادُ بُعداً كُلَّما ازددتُ اقترابا
وأراني كلَّما أوشكتُ أدري
لست أدري

إنني يا بحرُ بحرٌ شاطئاهُ شاطئاكا
الغدُ المجهولُ والأمسُ الذانِ اكتنفاكا
وكلانا قطرةٌ من ذا وذاكا
لا تسلني ما غدٌ ما أمسِ إنِّي
لست أدري

قيل لي في الدير قومٌ أدركوا سرَّ الحياةْ
غيرَ أني لم أجدْ غيرَ عقولٍ آسناتْ
وقلوبٍ بليتْ فيها المنى فهْيَ رفاتْ
ما أنا أعمى فهل غيريَ أعمى؟
لست أدري

قيلَ أدرى الناسِ بالأسرارِ سُكّانُ الصوامعْ
قلتُ إن صحَّ الذي قالوا فإنَّ السرَّ شائعْ
عجباً كيف ترى الشمسَ عيونٌ في براقعْ
والتي لم تتبرقعْ لا تراها لست أدري

إن تكُ العزلةُ نُسكاً وتقىً فالذئبُ راهبْ
وعرينُ الليثِ دَيرٌ حُبُّه فرضٌ وواجبْ
ليت شعري أيميتُ النسكُ أم يُحيي المواهبْ؟
كيفَ يمحو النسكُ إثماً وهْوَ إثمُ ؟
لست أدري

إنني أبصرتُ في الديرِ وروداً في سياجِ
قَنعتْ بعد الندى الطاهرِ بالماءِ الأُجاجِ
حولَها النورُ الذي يُحيي وترضى بالدياجي
أمن الحكمةِ قتلُ القلبِ صبراً؟
لست أدري

قد دخلتُ الديرَ عند الفجرِ كالفجرِ الطروبْ
وتركتُ الديرَ عند الليلِ كالليلِ الغضوبْ
كان في نفسيَ كربٌ صارَ في نفسيْ كروبْ
أمن الديرِ أم الليلِ اكتئابي؟
لست أدري

قد دخلتُ الديرَ أستنطقُ فيه الناسكينا
فإذا القومُ من الحيرةِ مثلي باهتونا
غلبَ اليأسُ عليهم فهُمُ مستسلمونا
وإذا بالبابِ مكتوبٌ عليه
لست أدري

عجباً للناسكِ القانتِ وهْوَ اللوذعيْ
هجرَ الناسَ وفيهمْ كلُّ حُسنِ المبدِعِ
وغدا يبحثُ عنهُ في المكانِ البلقعِ
أرأى في القفرِ ماءً أم سراباً
لست أدري

كم تماري أيُّها الناسكُ في الحقِّ الصريحْ
لو أرادَ اللهُ أنْ لا تعشقَ الشيءَ المليحْ
كان إذ سوّاكَ سوّاك بلا عقلٍ وروحْ
فالذي تفعلُ إثمٌ قال إني
لست أدري

أيُّها الهاربُ إنَّ العارَ في هذا الفرارْ
لا صلاحٌ في الذي تفعلُ حتى للقفارْ
أنت جانٍ أيُّ جانٍ قاتلٌ في غيرِ ثارْ
أفيرضى اللهُ عن هذا ويعفو؟
لست أدري
 

ابتسم

للشاعر إيليا أبي ماضي

قال : السماء كئيبة ، وتجهما
قلت : ابتسم يكفي التجهم في السما

قال : الصبا ولى فقلت له ابتسم
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

قال : التي كانت سمائي في الهوى
صارت لنفسي في الغرام جهنما

خانت عهودي بعدما ملكتها
قلبي فكيف أطيق أن أتبسما ؟

قلت : ابتسم واطرب فلو قارنتها
قضّيت عمرك كله متألما

قال : التجارة في صراع هائل
مثل المسافر كاد يقتله الظما

أو غادة مسلولة محتاجة
لدم وتنفث كلما لهثت دما

قلت : ابتسم ما أنت جالب دائها
وشفائها فإذا ابتسمت فربما ..

أيكون غيرك مجرما وتبيت في
وجل كأنك أنت صرت المجرما

قال : العدى حولي علت صيحاتهم
أأسر والأعداء حولي في الحمى ؟

قلت : ابتسم لم يطلبوك بذمة
لو لم تكن منهم أجل وأعظما

قال : المواسم قد بدت أعلامها
وتعرضت لي في الملابس والدمى

وعلي للأحباب فرض لازم
لكنّ كفي ليس تملك درهما

قلت : ابتسم يكفيك أنك لم تزل
حيا ولست من الأحبة معدما

قال : الليالي جرعتني علقما
قلت : ابتسم ولئن جرعت العلقما

فلعل غيرك إن رآك مرنما
طرح الكآبة جانبا وترنما

أتراك تغنم بالتبرم درهما
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما

يا صاح لا خطر على شفتيك أن
تتثلما والوجه أن يتحطما

فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى
متلاطم ولذا نحب الأنجما

قال : البشاشة ليس تسعد كائنا
يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما

قلت : ابتسم مادام بينك والردى
شبر فإنك بعد لن تتبسما

كُن بَلسَما

 للشاعر إيليا أبي ماضي

كن بلسماً إن صار دهرك أرقما
         وحلاوة إن صار غيرك علقما
إن الحياة حبَتــك كــــلَّ كنوزها
         لا تبخلن على الحياة ببعض ما ..
أحسِنْ وإن لم تجـــزَ حتى بالثنـا
         أيَّ الجزاء الغيث يبغي إن همى ؟
مَن ذا يُكافئ زهرة فواحـــــة ؟
        أو مَن يثيب البلبـــــــل المترنما ؟
عُدَّ الكرام المحسنين وقِســـــهم
          بهما تجــــد هـــــذين منهم أكرما
يا  صاح خُذ عِلمَ المحبة عنهما
          إني وجدتُ الحب عِلما قيِّمـــــــا
لو  لم تَفُح هذي، وهذا ما شَدا
        عاشت مذمـــمة وعاش مذمـمـــا
فأعمل لإسعاد السِّوى وهنائهم
         إن شِئتَ تسعد في الحياة وتنعمـا
أَيقِظ شُعورَك بالمحـــبة إن غـفا
         لَو لا الشعور الناس كانوا كالدُمى

المساء

للشاعر إيليا أبي ماضي

السحــــــب تركض في الفضاء الرحب ركض الخائفين
والشمــــــــــــــــــس تـــــــــــبـــــــدو خلفها صفراء عاصبة الجبين
والبحـــــــــــــــــــــر ساجٍ صامـــــــــــــــــتٌ فيه خشوع الزاهدين
لكنما عـــــــــيناك باهتتان في الأفـــــــــــــــــــــق البعـــــــــــــيد
سلمى …بماذا تفكرين؟
سلمى …بماذا تحلميـــــــن؟
أرأيت أحلام الطفــــــــــــــــــــولة تختفي خلف التخوم؟
أم أبصرتْ عيناك أشــــــــــــــــباح الكهولة في الغيوم؟
أم خفتْ أن يأتي الدُّجى الجـــــــــــاني ولا تأتي النجوم؟
أنا لا أرى ما تلمـــــــــحـــــــــــــــــــــين من المــشــــاهد إنما
أظلالـــــها في ناظريك
تنم ، ياســـلمى ، عليك
إني أراك كســــــــــــــــــائحٍ في القفر ضل عن الطريق
يرجو صديقاً في الفـــــــــــلاة ، وأين في القفر الصديق
يهوى البروق وضــــــــوءها ، ويـــــــــــــخاف تخدعهُ البروق
بــــلْ أنت أعظم حـــــــــــــــــيرة من فــــــارسٍ تحت القتام
لا يستطيع الانتــــصار
ولا يطيق الانــــــكسار
هــــــذي الهواجـــــــس لم تكن مرســــــــومة في مقلتيك
فلقـــــد رأيـــتـــك في الضــــحى ورأيته في وجـــــنتيك
لكن وجــــــدتُك في المساء وضـــــعت رأسك في يديك
وجـــــــلست في عــــــينيك ألغازٌ ، وفي النفــس اكتئاب
مــــثل اكتئاب العاشقين
ســلمى …بماذا تفكرين
بالأرض كيف هـــــــوت عروش النور عن هضباتها؟
أم بالمـــــــــروج الخُضرِ ســــــاد الصمت في جنباتها؟
أم بالعــــــصـــــافــــــــــــير التي تعـــــدو إلى وكناتها؟
أم بالمـــــــسا؟ إن المســــــــــــــا يخفي المدائن كالقرى
والكوخ كالقصر المكينْ
والشـوكُ مــــــــــــــــــــــثلُ الياسمين
لا فــــــــرق عــــــــــند الليل بين النهــــــــــر والمستنقع
يخفي ابتسامات الطـــــــــــــــروب كأدمع المـــــــتوجعِ
إن الجـــــــــمالَ يغـــــــيبُ مـــــــــــــــــثل القبح تحت البرقعِ
لكن لماذا تجــــــــــــزعـــــــــــــــين على النهار وللدجى
أحـــــــــــلامه ورغائبه
وســـــــماؤُهُ وكواكبهْ؟
إن كان قد ســــــــــــــــــتر البلاد سهـــــولها ووعورها
لم يسلـــــــــــــب الزهر الأريج ولا المياه خـــــــريرها
كلا ، ولا منعَ النســــــــــــــــــــائم في الفضاءِ مسيرُهَا
ما زال في الــــوَرَقِ الحفــــيفُ وفي الصَّبَا أنفــــــاسُها
والعــــــــندليب صداحُه
لا ظفـــــــــــرُهُ وجناحهُ
فاصغي إلى صـــــــــوت الجداول جارياتٍ في السفوح
واســــــتنشـــــــــقي الأزهار في الجنات مادامت تفوح
وتمتعي بالشــــــــــــــهـــــب في الأفلاك مادامتْ تلوح
من قــــــبل أن يأتي زمان كالضـــــــــــــباب أو الدخان
لا تبصرين به الغــدير
ولا يلـــــــذُّ لك الخريرْ
مـــات النهار ابن الصباح فلا تقـــــــــــــــولي كيف مات
إن التــــــــــــــــأمل في الحــــــــــياة يزيد إيمـــــــــــــان الفتاة
فدعي الكآبة والأسى واســـــــــــــــــترجعي مرح الفتاةْ
قد كان وجهك في الضحى مثل الضحى متهـــــــــــــللاً
فيه البشـــــاشة والبهاءْ
ليكن كــذلك في المساءْ

وطن النجوم

وطن النجوم … أنا هنا حدّق … أتذكر من أنا ؟ 
ألمحت في الماضي البيعيد فتى غريرا أرعنا ؟ 
جذلان يمرح في حقولك كالنسيم مدندنا 
ألمقتني المملوك ملعبة و غير المقتنى ! 
يتسلّق الأشجار لا ضجرا يحسّ و لا ونى 
و يعود بالأعصان يبريها سيوفا أو قنا 
و يخوض في وحل الشّتا متهلّلا متيمّنا 
لا يتّقي شرّ العيون و لا يخاف الألسنا 
و لكم تشيطن كي يقول الناس عنه ” تشيطنا “ 

 
أنا ذلك الولد الذي دنياه كانت ههنا ! 
أنا من مياهك قطرة فاضت جداول من سنا 
أنا من ترابك ذرّة ماجت مواكب من منى 
أنا من طيورك بلبل غنّى بمجدك فاغتنى 
حمل الطّلاقة و البشاشة من ربوعك للدّنى 
كم عانقت روحي رباك وصفّقت في المنحنى ؟ 
للأرز يهزأ بالرياح و بالدهور و بالفنا 
للبحر ينشره بنوك حضارة و تمدّنا 
لليل فيك مصلّيا للصبح فيك مؤذّنا 
للشمس تبطيء في وداع ذراك كيلا تحزنا 
للبدر في نيسان يكحّل بالضّياء الأعينا 
فيذوب في حدق المهى سحرا لطيفا ليّنا 
للحقل يرتجل الرّوائع زنبقا أو سوسنا 
للعشب أثقله النّدى ، للغصن أثقله الجنى 
عاش الجمال متشرّدا في الأرض ينشد مسكنا 
حتّى انكشفت له فألقى رحلة و توطّنا 
واستعرض الفنّ الجبال فكنت أنت الأحسنا 
لله سرّ فيك ، يا لبنان ، لم يعلن لنا 
خلق النجوم و خاف أن تغوي العقول و تفتنا 
فأعار أرزك مجده و جلاله كي نؤمنا 
زعموا سلوتك … ليتهم نسبوا إليّ الممكنا 
فالمرء قد ينسى المسيء المفترى ، و المحسنا 
و الخمر ، و الحسناء ، و الوتر المرنّح ، و الغنا 
و مرارة الفقر المذلّ بل ، و لذّات الغنى 
لكنّه مهما سلا هيهات يسلو الموطنا 

قصيدة  الغبطة

ايليا أبو ماضي

أقبلَ العيدُ ، ولكنْ ليسَ في الناسِ المسرَّهْ

لا أَرى إلاَّ وُجُوهاً كالحاتٍ مُكْفَهِرَّهْ

كالرَّكايا لم تَدَعْ فيها يدُ الماتِحِ قطرَهْ

أو كمثلِ الرَّوضِ لم تَتْركْ به النكباءُ زهرَهْ

وعيوناً دَنقتْ فيها الأماني المُسْتَحِرَّهْ

فَهْيَ حَيرى ذاهلاتٌ في الذي تهوى وتكرَهْ

وخدوداً باهتاتٍ قد كساها الهَمُّ صُفْرَهْ

وشفاهاً تحذرُ الضحكَ كأنَّ الضحكَ جمرَهْ

ليسَ للقومِ حديثٌ غير شكوى مستمرَّهْ

قد تساوى عندهُمْ لليأسِ نفعٌ ومضرَّهْ

لا تَسَلْ ماذا عراهُمْ كلُّهم يجهل ُ أمرَهْ

حائرٌ كالطائرِ الخائفِ قد ضَيَّعَ وكرَهْ

فوقَهُ البازِيُّ ، والأشْرَاكُ في نجدٍ وحُفْرَهْ

فهو إنْ حَطَّ إلى الغبراءِ شَكَّ السهمُ صدرَهْ

وإذا ما طارَ لاقى قشعمَ الجوِّ وصقرَهْ

كلُّهم يبكي على الأمسِ ويخشى شَرَّ بُكْرَهْ

فهمُ مثل عجوزٍ فقدتْ في البحرِ إبرَهْ

* * *

أيّها الشاكي الليالي إنَّما الغبطةُ فِكْرَهْ

ربَّما اسْتوطَنَتِ الكوخَ وما في الكوخِ كِسْرَهْ

وخَلَتْ منها القصورُ العالياتُ المُشْمَخِرَّهْ

تلمسُ الغصنَ المُعَرَّى فإذا في الغصنِ نُضْرَهْ

وإذا رفَّتْ على القَفْرِ استوى ماءً وخُضْرَهْ

وإذا مَسَّتْ حصاةً صَقَلَتْها فهيَ دُرَّهْ

لَكَ ، ما دامتْ لكَ ، الأرضُ وما فوق المَجَرَّهْ

فإذا ضَيَّعْتَها فالكونُ لا يَعْدِلُ ذَرَّهْ

أيُّها الباكي رويداً لا يسدُّ الدمعُ ثغرَهْ

أيُّها العابسُ لن تُعطَى على التقطيبِ أُجْرَهْ

لا تكنْ مُرَّاً ، ولا تجعَلْ حياةَ الغيرِ مُرَّهْ

إِنَّ من يبكي لهُ حَوْلٌ على الضحكِ وقُدْرَهْ

فتَهَلَّلْ وتَرَنَّمْ ، فالفتى العابسُ صَخْرَهْ

سَكَنَ الدهرُ وحانتْ غفلةٌ منهُ وغِرَّهْ

إنَّهُ العيدُ … وإنَّ العيدَ مثل العُرْسِ مَرَّهْ

التينةُ الحمقاءُ

للشاعر إيليا أبي ماضي

وتينةٍ غضةِ الأفنانِ باسقةٍ
قالتْ لأترابها والصيفُ يحتضرُ

لأحبسنّ على نفسي عوارفها
فلا يبينُ لها في غيرها أثرُ

كم ذا أكلفُ نفسي فوقَ طاقتها
وليسَ لي بل لغيري الظلُ والثمرُ

عادَ الربيعُ إلى الدنيا بموكبهِ
وازينتْ واكتستْ بالسندسِ الشجرُ

وظلتْ التينةُ الحمقاءُ عاريةً
كأنها وتدٌ في الأرضِ أوحجرُ

فلم يطقْ صاحبُ البستانِ رؤيتها
فاجتثها فهوتْ في النارِِ تستعرُ

من ليسَ يسخوُ بما تسخوُ الحياةُ
بهِ فإنهُ أحمقٌ بالحرصِ ينتحرُ.

 

Comments are closed.