lebanonism.com Rotating Header Image

الانتشــار الفينيقـــــي

الانتشــار الفينيقـــــي

يوسف الحوراني

1- رأس الجســر

بينما كانت جغرافية لبنان الطبيعية تختار نوع السكان، وتكيف ذهنياتهم وتطلعاتهم الحيوية، بما فيها من تنوع واختلاف، بين بلدة وبلدة، ورابية وجبل، ومنطقة وأخرى؛ بينما كانت هذه الجغرافية الثرية بمعطيات الاثارة، وفواعل انماء شخصية الانسان، تفرض على اللبناني نوع مشاعره ونوازع آماله وطقوس تدينه، وتوجه له تفسيراته الذهنية للوجود، كانت جغرافية الموقع العالمي ككل، تتخذ من لبنان بلد التقاء لشعوب العالم القديم، حول البحر المتوسط، وتؤهله ليكون غربال تنقية لحضارات هذه الشعوب، ومعتقداتها وتقاليدها، وانجازاتها العلمية والعملية، فتجعل منه أخيراً مركز توزيع ونشر لكل ما شأنه أن يصلح لجميع الناس، على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم ومواقع بلادهم.

وان نظرة الى الخريطة القديمة لبلاد البحر المتوسط، تثير الاعجاب بما تركه سكان لبنان الاقدمون من آثار مختلفة، قد نجدها في نصوص التاريخ، كما نجدها في أسماء الأماكن والجزر والمدن، أو في طقوس العبادة، أو في أسماء الآلهة والمعبودات للشعوب الأخرى المنتشرة حول الحوض الحضاري العظيم الذي قدر له أن يقود حضارة العالم حتى أواسط القرن العشرين بعد المسيح.

وان التوسع البشري الفينيقي الذي يثبته لنا التاريخ يوماً بعد يوم بكشوفات البحث يجعلنا نشك بأن يكون لبنان وحده كان يفرز من بنيه مثل هذه الهجرات المتتالية الى شواطىء المتوسط والأطلسي وجزرهما. فهو كان، كما يبدو، مثله الآن، رأس جسر، ينطلق منه اللاجئون الى البحر، بعد أن ينظم لهم حياتهم مع البحر والتجارة، ويثقفهم بثقافته ومعتقداته، ويهيئهم للمغامرة والانفتاح على المجهول. لقد كان دائماً البلد المتقدم بثقافته وبعمرانه وأمنه. والعمران يحتاج دائماً الى يد عاملة ناشطة تهيء التوسع للثراء والرفاه، وهذه اليد العاملة التي كان يحتاجها اللبنانيون المتقدمون لأعمال البحر وانشاءات البر، لم تكن لتوفرها لهم أرض لبنان الضيقة، وانما كان يقوم شرط توفرها بالهجرات المتتالية من البلاد القريبة منه. ولا شك بأن الحروب التي كانت تقع باستمرار بين مصر وبلاد ما بين النهرين أو شعوب آسيا الصغرى، ووقائع الغزو المدمرة التي كانت تحدث في فلسطين على الأخص، كانت أعظم البواعث على الهجرة الى لبنان، للاحتماء به أولاً، ثم للهجرة منه بقيادة أبنائه لـتأسيس المستعمرات وانشاء المدن في بلاد البحر البعيدة، حيث يصبح للنازحين أرض ومجتمع وعمل وأمن وعلاقات تجارة وثقافة متينة، يضمنها لهم أبناء مدن لبنان.

ولو نحن وافقنا مع فكتور بيرار في دراسته لوقائع الاوديسية والالياذة لوجدنا معظم الاسماء التي ليس لها أصل يوناني أو لاتيني، هو من أصل سامي، أعطاه الفينيقيون لمدن البحر وجزره وجباله، سواء على المتوسط أم على الأطلسي. وان المرء ليتساءل مع بيرار من أين جاءت أسماء مثل : سلاميس ( سلام ) وساموس ( شمس ) وقدميا، وقمرينا، وأطلس، وقادش، وعشرات غيرها !!

ويرى بيرار ان جميع أسماء الأنسجة والمشروبات المخمرة والعصافير والأسماك والأسلحة الواردة في الأوديسية، هي من أصل فينيقي. ونحن نعرف ان الاسم، لكي يتغلب على مكان أو مدينة، أو على جهاز أو شيء ما، يجب أن تكون خلفه قوة حضارية تسانده وتضمن بقاءه، تماماً كما تسود في العالم اليوم أسماء الأجهزة والأطعمة التي ابتكرتها الحضارة الغربية، أمثال التلفون والتلفزيون والسندويش والويسكي والكونياك والكومبيوتر وما ماثل ذلك. كما لكي ينتشر اسم شراب أو طعام أو نسيج يجب أن يكون تغلب على ما ينافسه في الأسواق المحلية اذا كان هناك منافس له. ومن هنا أجدنا مقودين للأخذ بنظرية الانتشار السامي بطريق الكنعانيين في بلاد المتوسط، والى حد أبعد مما افترض الدارسون حتى الآن. وحين ينقصنا التسجيل الكتابي الصحيح لهذا الانتشار لا تنقصنا الاشارات اليه في الاساطير التي وصلت الينا بطريق الاغريق، كما لا نعجز عن استنتاج ذلك من محاكمات المواقف التي نقلها لنا رواة الأساطير، أو الحوادث التي حفظ لنا المؤرخون الاول اخبارها. وجميع ما نستخلصه، سواء من الآثار الآخذة بالظهور، أم من الوقائع. أم من التقديرات والافتراضات، انما نجده ينم عن نفس جماعية متحررة جريئة، قوامها الاقدام والرغبة في المغامرة، وسلاحها الذكاء والثقة بالنفس، والقدرة على فهم الفرص المناسبة واختيار الأمكنة المناسبة لنجاح الانسان.

واولى تلك الحوادث وصلتنا تتأرجح بين الواقع والأسطورة؛ وهي قصة خطف ” اوربة ” ابنة ملك صور، وكيف أن اخوتها انتشروا في جزر المتوسط وشواطئه يبحثون عنها. ويبدو ان الفينيقيين كانوا موهوبين بنسج أمثال هذه الأساطير ونشرها بين الشعوب الأخرى لاخفاء غاياتهم الأساسية خلفها. فهم كانوا اهتدوا الى قيمة المعادن، والذهب بنوع خاص، كما كانوا اهتدوا الى فائدة انشاء المستعمرات لهم في البلاد البعيدة.

وقصة ابنة الملك المخطوفة هذه لم تكن الاّ حجة منهم لدخول البلاد واستعمارها واستثمار مواردها المعدنية. والذين كانوا يبحثون عن ابنة الملك أنشأوا ممالك ونشروا الحضارة اينما حلوا. وقد كانوا زعماء قبائل مع جماعات مهاجرة، على الأرجح، وليس اخوة لأوربة وحسب. وهم كما تذكرهم الأسطورة : قدموس، وكيليكس، وفينيقس.

2- هجـرة قـدمـوس واخوتــه

ان قدموس، كما نعلم من أكثر من مصدر اغريقي، هو الذي بنى مدينة ” قدميا ” ثم ” طيبة ” في اقليم ” بويثيا ” في بلاد الاغريق. ولا يهمل التاريخ ذكر التأثير العظيم الذي كان لهذا الفينيقي السامي في حضارة الاغريق. فهو علمهم أعمال الحضارة، وطور لهم حروف الأبجدية الفينيقية لتناسب اللغة الاغريقية، كما يذكر لنا ذلك هيرودت الذي كان شاهد بنفسه الحروف الفينيقية المحفوظة في معبد ” أشمون ابولو ” في طيبة بلدة قدموس الاغريقية. ويوافق ديودورس أيضاً على أن قدموس كان أحضر الأبجدية من فينيقيا. ولكن هذا المؤرخ يدمج رحلة قدموس بتجوال أوزيريس حول العالم لتثقيف الناس. ويذكر لنا هيرودت أن قدموس كان ترك جماعة من اتباعه في جزيرة ” تيرا ” لاستعمارها؛ وكانوا بقيادة قريب له يدعى ” مابليارس ” وكان اسم الجزيرة ” كاليستا ” قبل ذلك، ويعلق هيرودت بأسلوبه الباحث قائلاً : ” لسبب لم يصل الينا، وربما لأن قدموس بن أغينور أحب ذلك المكان، أقام فيه عدداً من الفينيقيين كان من بينهم مابليارس أحد أقربائه “. ونقرأ بعد ذلك لدى هيرودت أيضاً أن أحفاد هؤلاء المستعمرين في تيرا أرسلوا اثنتين وخمسين سفينة لانشاء مستعمرة في كيرينيا في أفريقيا. كما أن احدى قبائل اسبارطة القوية وهي قبيلة الأبجديين كانت، حسب رواية هيرودت، تنتسب لايجيوس بن تيراس الذي سميت جزيرة تيرا باسمه، وهو من سلالة قدموس. وكان التحق فيها بأقاربه أحفاد مابليارس، تاركاً ابنه بين اللاسيديمونيين، قائلاً له ” سأتركك كخروف بين الذئاب “.

وان من يتأمل المركز الجغرافي لجزيرة تيرا البركانية يدرك معنى اهتمام قدموس بهذه الجزيرة ويلقى الجواب لتساؤل هيرودت. فهذه الجزيرة هي مفتاح بحر ايجيه لموقعها الحربي الهام. وقد استخدمت كقاعدة بحرية لبطالسة مصر طوال القرن الثالث وخلال جزء من القرن الثاني قبل الميلاد. كما استخدمها أهل كيرينيا في ليبيا كقاعدة بحرية لهم، كما يخبرنا بذلك سترابو. وليس من تفسير لاقامة الفينيقيين فيها سوى أنهم اختاروها كقاعدة بحرية لهم خلال حملتهم التوسعية في بلاد الاغريق بقيادة قدموس.

واذا كان هيرودت أهمل تسجيل عمليات قدموس العسكرية في بلاد الاغريق فان بوزانياس الذي كان يتجول في بلاد الاغريق، للاطلاع على المعتقدات والروايات التي كان يتناقلها السكان، يذكر أن قدموس كان على رأس جيش للاحتلال والاقامة بين السكان والتزاوج معهم.

واذا شئنا تتبع الوجود الفينيقي بين اللاسيديمونيين ( الاسبرطيين ) نجد شواهد عليه من التاريخ المسجل، حتى بعد ذهاب فينيقيا نفسها كدولة وكثقافة مستقلة. ففي القرن الثالث قبل الميلاد نقرأ رسالة من أرياس، ملك اللاسيديمونيين، موجهة الى اليهود، يذكر فيها أنه مع شعبه اكتشف انهم، وفق الانساب المحفوظة لديهم، يتحدرون من سلالة واحدة هم واليهود. وحين غياب هذه العلاقة التاريخية بين اليهود واللاسيديمونيين، ولتأخر اليهود طويلاً بالاجابة على هذه الرسالة، حيث أرسلت الى الكاهن أونياس وبقيت دون جواب حتى أجاب عليها يوناتاس الكاهن بعد ذلك بعشرات السنين، وعندما احتاج الى مساندة اللاسيديمونيين السياسية في روما؛ كل ذلك يجعلنا نفترض أن أرياس أخطأ وظن أن تقارب لغته وأسماء أسلافه مع لغة اليهود وأسماء أسلافهم هي رابطة النسب بينهم، وبخاصة أن الكثيرين من الكنعانيين الذين كانوا يستوطنون بلاد الاغريق في الألف الثاني قبل الميلاد كانوا يذهبون اليها من شواطىء فلسطين، وكانو يتكلمون اللغة الكنعانية الأم التي لم تكن اللغة اليهودية سوى لهجة من لهجاتها. هذه هي بعض معالم هجرة قدموس الى بلاد الاغريق.

*

أما ما بقي لنا عن رحلة ” كيليكس ” فيلقي لنا ضوءاً جديداً على هجرات اللبنانيين وسعة انتشارها. فكيليكس هذا أقام في كيليكيا من بلاد آسيا الصغرى. وكما يذكر هيرودت كان اسم البلاد ” هيباخايي “، فلما استعمرها مع قومه سماها باسمه. وقد ذكر هذا المؤرخ الرواية هذه عند ذكره للبلاد التي قدمت جيشاً أو سفناً لاحشويرش الفارسي في حملته الى الاغريق سنة 480 ق.م. وكانت كيليكيا قدمت آنذاك مئة سفينة ثلاثية ( تريرم ). وذكر هيرودت في هذه المناسبة أن كيليكس هو ابن اغنور الفينيقي.

وجاءت كشوفات الآثار لتثبت وجود الفينيقيين على نطاق واسع في آسيا الصغرى. فقد ذكر ليونارد وولي عن وجود أواني زجاجية ثمينة في حفريات ” الالاخ ” التركية، يعود تاريخها لاواسط الألف الثاني قبل الميلاد. كما أن عالمين من علماء الآثار هما : ه.ث. بوسيرت و ه. صامبل قد اكتشفا في حفريات مدينة ” كراطيب ” كتابة باحدى اللهجات الفينيقية الى جانب اللغة الحثية، وأثبتت هذه الكتابة وجود قبيلة ” الدانونيين ” الكنعانية هناك. وان من كان يقرأ شجرة السلالات التي كتبها فريسيد في القرن الخامس قبل الميلاد كان يستغرب ورود اسم دانوس بين الفينيقيين والمصريين. لكن فريسيد هذا الذي وصفه فيلون الجبيلي بأنه أخذ أفكاره عن الفينيقيين، يبدو أنه نقل شجرة نسب صحيحة عنهم. فقد كشفت البحوث عن أن الدانونيين الذين أثنى عليهم هوميرس والذين ورد ذكرهم مع شعوب البحر في الوثائق المصرية، كانوا كنعانيي اللغة والدين. وقد تركوا لنا نصوصاً تشهد على ذلك. أما نصوص هذه الكتابات، كما ينقلها لنا المترجمون المختصون، فهي تنم عن حضارة متقدمة، تتعبد لايل، خالق الأرض والشمس الخالدة، ومجموعة الآلهة. وتتضمن مفاخرة على لسان الملك ” عزتودع ” بأنه سالم جميع الملوك الى حد أن كل واحد منهم كان يعتبره كأب له. وقد أقام حصوناً منيعة على حدوده لحمايتها من العصابات، فهزم هذه العصابات، وأصبح الدانونيون يعيشون بسلام نفسي. وكان بنى مدينة ” عزتوديعه ” بفضل البعل، وبفضل الاله ” رشف ” ، وأقام فيها معبداً للبعل، وعين فيه طقوساً لعبادته ويرجح أن تكون هذه الكتابات دوّنت هناك، قبل القرن الثامن قبل الميلاد. وهي جميعاً تثبت وجود استيطان كنعاني في آسيا الصغرى. وبالتالي تجعل رواية ” كيليكس ” واقعة تاريخية حقيقية، وتجعل بحر ايجيه مسرحاً ثابتاً للنشاط الملاحي والثقافي الفينيقي.

*

أما ” فينيقس ” الذي حمل اسمه اللبنانيون، ودعوا بالفينيقيين بالنسبة للاغريق، فهو أحد رؤساء القبائل أيضاً. وحسب رواية فيلون عن سانخونياتن، اسمه الحقيقي ” كناع ” وهو أخ لأوزيريس في رواية سانخونياتن. وهذه الرواية تثبت الدمج الذي أورده ديودورس بين اوزيريس وقدموس في بلاد الاغريق. ونحن نعرف ان كلمة فينيق باللغة العربية، تعني الفحل، المكرم، النبيل. ولا شك بأنها تحمل المعنى نفسه في اللغة الكنعانية الفينيقية.

ويذكر لنا هيرودت عند زيارته لجزيرة ” ثازوس ” انه شاهد معبداً لهرقل في تلك الحزيرة، يعود الى زمن هجرة قدموس الى بويثيا، أي الى ما قبل نشوء عبادة هرقل بن امفتريون الاغريقي بخمسة أجيال، كما قال هذا المؤرخ المحقق. وهذا ما يثبت الأصل الفينيقي لهذه العبادة في الجزيرة.

وما يذكر هيرودت في مكان آخر يلقي ضوءاً على وجود فينيق بين الجدود المهاجرين من الكنعانيين. فهو عند ذكره عصيان أهل الحزيرة على داريوس الفارسي، ذكر أن الجزيرة كانت تجني من مناجم الذهب فيها، ومن ممتلكاتها خارج الجزيرة، ما يتراوح بين خمسة آلاف وثمانية آلاف كيلو من الذهب سنوياً. وكان شاهد المناجم الفينيقية بنفسه. وعند بحثه عن أصل اسم الجزيرة ذكر أنها تحمل اسم ثازوس بن فينيق الذي جاء مع جماعة من الفينيقيين لاستعمارها واستثمار مناجمها. كما أثبت هذه الحقيقة عن أصل سكان الجزيرة بوزانياس وذكر أن تمثال هرقل فيها هو وقاعدته مصنوعان من البرونز. والتمثال بعلو 15 قدماً وهو صوري الطقوس ويحمل هراوة بيده اليمنى وقوساً باليسرى.

وتكون هكذا قصة ” أوروبة ” حجة ذكية ابتكرها الفينيقيون لتغطية أهدافهم الرئيسية من الهجرة والاستيطان، بين الشعوب الغريبة. وقصة خطف البنات والنساء كانت على ما يبدو عقدة القصة، لكل رواية عن تحرك تاريخي؛ اذ نجدها في أساس حروب الالياذه عند هوميرس، كما نجدها في أساس الحروب الفارسية الاغريقية عند هيرودت، وتكرارها هذا يحول دون قبولها.

كان أسلوب الانتشار والتوزع في بلاد مختلفة، هو ذاته ما لازال يتبعه اللبنانيون في هجراتهم، بقصد التنافس في جمع الثروة، دون اتكال الواحد منهم على الآخر في بلاد الغربة. واننا نفشل الآن بالعثور على قرية لبنانية معاصرة يتخذ أبناؤها بلداً واحداً وجهة لهجرتهم. بل امعاناً في نزعة التنافس، نجد الأخوة أحياناً، منتشرين انتشار الرياح الأربع في بلاد المهاجر، بحيث يكون أحدهم في كندا أو الولايات المتحدة والآخر في أوستراليا، والثالث في أفريقيا، أو في الأرجنتين، أو أميركا الوسطى.

3- أسبــاب الهجــرة

افترضنا ان موجات الهجرة من لبنان كانت تتم على أثر صدامات الحروب والاضطرابات الاجتماعية في البلاد المجاورة، بحيث كان يتجمع النازحون في لبنان، فيتثقفو ن بثقافة البحر وأعمال التعدين والصناعات التجارية الرائجة آنذاك في مصانع صور وصيدا. وبعد ذلك تقوم حكومات المدن المنظمة، أمثال حكومات صور، أو صيدا، أو جبيل، أو بيروت بتدبير هجرة الفائض من سكانها لاستثمار نشاطهم في مستعمرات بعيدة، أو في مراكز تجارية، تبقى على علاقة نظامية مع البلد الأم. ولنذكر هنا أن هذا الأمر ذاته حدث مع البلاد الاوروبية، التي استعمرت مناطق القارة الأميركية، قبل أن تستقل هذه وتصبح دولاً ذات سيادة كما هي الآن.

أما أوربة هذه التي قامت على قصة خطفها الهجرات الفينيقية الكبرى، فقد كانت ذات أثر كبير في أساطير الحضارة الاغريقية. وجميع المراجع التي تعرضت لها تشير الى أصلها الفينيقي. وبينما يذكرها هيرودت بكونها ابنة ” اغنور ” ملك صور يذكرها هوميرس بصفتها ابنة ” فينيق “، وقد أحبها زفس الاله، وولدت ” رادامانتس ” ومينوس ملك كريت. ويذكر ابولونيوس رودس سلطتها على جزيرة كريت وتكليفها الرجل النحاسي بحماية الجزيرة من الغزو البحري. ونقرأ لدى ” لوسيان ” أن في زمنه، أي القرن الثاني للميلاد، كان أهل صيدا ينسبون لها هيكلاً للعبادة في مدينتهم. وكانت لديهم عملة نقدية، تصوّرها على ظهر الثور الذي خطفها، كما تروي عنها الاسطورة. وقد وجدت قطع نقدية تحمل رسماً قريباً من ذلك في آثار كريت. ولعل دراسة متخصصة واسعة تثبت العلاقة الوطيدة التي كانت بين جزيرة كريت ولبنان، انطلاقاً من أسطورة اوربة، والدة مينوس، ومن تردد اسم ” كفتور ” أي كريت، في محفوظات اوغاريت، بصفتها أرضاً للاله ” ايل “. كما لا ننسى العقائد والتضحيات البشرية للمنوتور في الجزيرة؛ فهذه تشبه الى حد بعيد ما كان لدى الكنعانيين. وقد يكون ركام الآثار في كريت هو الذي يخفي سر هذه العلاقة، مع معظم سر الانتشار الكنعاني في بحر ايجيه.

*

وهناك قصة انشاء قرطاجة، المدينة التي بنت امبراطورية ضخمة أعجزت جميع قوى البحر المتوسط لفترة طويلة من الزمن. فتاريخ انشاء هذه المدينة يذكر أن البعثة التي أنشأتها كانت من مدينة صور، وبقيادة امرأة اسمها ” اليسا ” لا زال بحارة شواطىء لبنان يرددون اسمها، تيمناً، في صور وصيدا. وقد شاء المؤرخون والشعراء أن ينسجوا قصصاً وأساطير حول هذه المرأة، فكانت موضوعاً رئيسياً لشاعر الرومان فرجيل في ملحمته ” الانياد ” باسم ديدو “.

ويبدو أن أكثر من عملية هجرة على نطاق واسع وصلت الى مدينة قرطاجة وما حولها بدءاً من أواسط الألف الثاني قبل الميلاد. وهذا ما يوحي به اسم المدينة ذاته الذي يعني ” القرية الجديدة “. وهذه التسمية تقودنا الى افتراض وجود قرى قديمة قربها وقبلها. ولمعرفة مدى السلطة البحرية التي كانت لهذه المدينة، نذكر أن معاهدتي سلام عقدتا بينها وبين الرومان سنة 508 وسنة 348 ق.م. كانتا تنصّان على احتكار القرطاجيين للنشاط البحري مقابل عدم تدخّل قرطاجة في الأراضي اللاتينية، وعدم بناء حصون لها فيها. ونجد في المعاهدة الثانية شروطاً صارمة من جانب القرطاجيين الذين أدخلوا معهم في هذه المرّة الصوريين وأهالي يوتيكا. ومن شروط هذه المعاهدة المقدّر لها سنة 348 أن لا يتاجر الرومان ولا ينشئوا مدناً لهم في سردينيا أو في أفريقيا. واذا ما مركب حملته العاصفة الى هذه الشواطىء يجب أن يرحل خلال خمسة أيام. وهنا نلاجظ أن صور كانت على علاقة وثيقة بنشاط قرطاجة. حتى أن صور، كما يذكر ديودورس الصقلي عندما حاصرها الاسكندر أجلت النساء والأطفال والعاجزين الى قرطاجة، ، كما يذكر أريان في أثناء حصار الاسكندر لصور كان هناك حجاج من قرطاجة جاءوا لزيارة معبد هرقل في المدينة الأم. وحتى في زمن انتكاس قرطاجة يذكر لنا بوليبيوس أنه كان يوجد مركب خاص لنقل التقدمات الدينية من قرطاجة لآلهة صور. وقد صادفه دمتريوس سنة 162 ق.م. عند مصب نهر التيبر، بينما كان يبحث عن سفينة ليهرب بها الى سوريا.

وهنا نذكر أن قرطاجة كانت بلغت من القوة بحيث جمعت في صقلية سنة 480ق.م. ثلاثمئة ألف جندي كان معظمهم من المرتزقة، كما يخبر بذلك هيرودت. كما كان لها مستعمرات ومراكز تجارية في معظم جزر المتوسط الغربي. وكان لها في افريقيا وحدها ثلاثمئة مدينة تتبعها، بالاضافة الى عدد سكانها الضخم الذي قدره سترابو بسبعمائة ألف نسمة. ولم تكن قرطاجة هذه في بدئها سوى محطة لمدينة صور تنظم منها هجراتها وخطوط تجارتها. وقد بقيت تتبعها ثقافياً ودينياً حتى ما بعد أن أصبحت قوة كبرى تحكم مياه المتوسط الغربي. وكما يذكر لنا ديودورس. كانت ترسل عشر ما يدخل خزينتها من المال الى مدينة صور. وقد داومت على ذلك بعد خراب صور بيد الاسكندر، حيث حين حاصر أغاتوكل قرطاجة سنة 310 ق.م. أرسل القرطاجيون هداياهم من الأعشار الى صور استرضاء للآلهة.

ويرى ” ثوسديد ” ان الفينيقيين مع الكاريين كانوا استعمروا معظم جزر البحر المتوسط قبل أن تزدهر كريت على يد مينوس، ويصبح لها أسطول بحري يقاوم الأساطيل الفينيقية التي كانت تسيطر بالقوة على مياه البحر المتوسط. كما رأى أن الفينيقينن كانوا يحتلون الجزر المحيطة بصقلية وشواطىء الجزيرة قبل وصول الاغريق اليها. وهذا يعني أن الفينيقيين اللبنانيين كانت لهم قوة بحرية عظيمة في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، أي قبل ازدهار جزيرة كريت. وهذا اللغز يرتبط بالوجود الفينيقي الواسع في بحر ايجيه جميعاً في الألف الثاني أو حتى ما قبل هذا التاريخ. ولا تزال الحفريات الأثرية عند بدء مسيرتها في هذا الاتجاه. لكن ما تكشّف حتى الآن في آثار كريت ومسينا وبحر ايجيه يدعو الى التفاؤل برسالة علم الآثار في كشف الانتشار الكنعاني القديم.

ولا بد هنا من الالتفات الى اشارة وردت عند جوزيفس أثناء حديثه عن حيرام ملك صور. فقد ذكر جوزيفس نقلاً عن محفوظات صور التاريخية، ان حيرام ملك صور في القرن العاشر قبل الميلاد، كان شنّ حرباً على ” الآيكيين ” لتمنّعهم عن دفع الجزية له. ولا أظن هؤلاء الا الايكيين الاغريق في ايجينيا قرب مدينة طيبة وبلادهم جزيرة ساحلية. كما يذكر في مكان آخر ثورة للجيتيين في زمن ” ايلولوي ” ملك صور وقد ذهب بأسطول بحري وأخمد هذه الثورة.

وهذا يعني أن الفينيقيين كانوا يتبعون عدة طرائق في توسعهم وانتشارهم في بلاد البحر المتوسط. فهم كانوا تجاراً ومعلمي حضارة أحياناً، ومهاجرين للاستيطان وانشاء بلاد جديدة، أو متسلطين وفارضي جزية على الذين يعيشون في ظل ادارتهم.

وكان أول من اكتشف الانتشار الفينيقي على حقيقته هو المؤرخ الجغرافي الاغريقي سترابو. فهذا الباحث المعاصر للميلاد استنتج أن هوميرس الاغريقي لم يسافر ويتجول في الأماكن التي وصفها في ملحمتي الالياذه والاوديسيه. وانما هو كان يروي ما رواه فيهما نقلاً عن الفينيقيين. وقد كرر سترابو هذا الاستنتاج مراراً في جغرافيته. وهو يؤكد في بحثه انهم كانو سيطروا على ايبيريا، وليبيا، أي اسبانيا وافريقيا الشمالية، قبل زمن هوميرس وحرب طرواده. وحتى في زمنه، كما يذكر، كان الفينيقيون يحتلون أفضل جزء من القارة الأوروبية مع الجزر القريبة منها.

ومعلومات سترابو هذه في القرن الأول للميلاد، كانت مستقاة من سياحاته الخاصة، ومن عدد من المؤرخين والجغرافيين الذين لم تصلنا مؤلفاتهم. وقد أشار اليها مراراً في كتابه الشهير. وهو عندما يستعرض الذين كانت لهم قوة بحرية، يذكر الفينيقيين بقوله : ” أولئك الذين غامروا الى ما بعد اعمدة هرقل، واسسوا مدناً هناك، وفي وسط الطريق، وعلى شواطىء ليبيا ( أي أفريقيا )، بعد حوادث طراوده بقليل “.

وعندما يذكر سترابو جزيرة غاديرا ( قادش ) ينقل عن أهل الجزيرة قولهم بأن ثلاث هجرات كانت تمت اليها من مدينة صور، وذلك بقصد السيطرة على المضيق المخرج للبحر الأبيض المتوسط، ولاعمار الجزر التي تقع في الأطلسي، قرب هذا المخرج. وقد نسب ابناء غاديرا البعثات الثلاث الى وحي كان يجيء للصوريين. وهذا ما كشف لعبته بوزيدونيوس، كما يذكر ذلك سترابو، حيث كشف أن الفينيقيين كانوا يخدعون البحارة الغرباء أيضاً بقولهم أن أعمدة هرقل هي حدود لنهاية الأرض.

وقد بنى كتاب الاغريق الاساطير حول غاديرا هذه بفضل الغموض الذي كان يضفيه عليها الفينيقيون. ففيها، حسب رأيهم، ينابيع مسحورة ترتفع مياهها، وتهبط بعكس حركة المد، كما فيها أشجار ليست كأشجار الدنيا. وفيها تفاح من ذهب، واغنام ليست كالاغنام الاخرى. ويرى سترابو ان غاديرا هذه هي ” أرضية “نفسها التي تكلم عنها الاغريقي ” فريسيد “، وهي كانت مسرحاً لأسطورة الجيرون. وفي زمن هيرودت، كان سمع هذا عن نهر يدعى ” أرضين ” يصب في بحر الشمال الأوروبي. وقد رفض القبول بأن يكون مثل هذا النهر من تسمية غير الاغريق. واعتقد أنه كلمة اغريقية أطلقها بعض الشعراء. كما لم يستطع الاستعلام عن جزائر التنك ( القصدير ) التي كان يجلب منها التجار الفينيقيون الكهرمان والتنك. ولم يعرف شيئاً عن البحر الذي يحيط اوربا من الغرب والشمال. ولكن تسمية النهر ” أرضين ” تثبت الوجود الفينيقي هناك، رغم شك هيرودت بالموضوع من أساسه، في القرن الخامس قبل الميلاد.

4- نجــاح المستعمــرات الفينيقيــة

عندما وصف سترابو كثافة سكان جزيرة غاديرا في زمنه قال ” انها المدينة التي تستخدم أكبر عمارات بحرية تجارية، سواء في البحر الداخلي، أم في البحر الخارجي. ورغم أن سكانها يقيمون على جزيرة ضيقة فهم نادراً ما يضعون أقدامهم على اليابسة، ولم يبق لهم اية جزر تمدهم بالثروة. ولهذا فهم يعيشون معظم أوقاتهم في البحر. وقلائل منهم يعيشون بصورة دائمة في غاديرا أو في روما. أما عدد المواطنين وبدون هذه الحالة، يمكننا اعتباره يفوق أية مدينة أخرى، باستثناء روما. وكان منها في الجيش الروماني خمسمائة فارس، وهو رقم لم تصل اليه سوى ” باتافيوم ” في ايطاليا. ويذكر لنا ” تيت ليف ” أنها قدّمت أموالاً كثيرة لجيوش قرطاجة، وكانت قاعدة حربية للأسطول في حروب هنيبعل.

ولا ندعي هنا أن غاديرا في زمن سترابو كانت لا تزال تتلقى توجيهها من مدينة صور اللبنانية، بل ما نريد قوله هو أن المدينة التي تندمج بالرومان بمثل هذا الاندماج انما كانت تفعل ذلك بالروح اللبنانية المنفتحة نفسها التي حافظت على السلام والازدهار آنذاك في أقسى الظروف، وفي معسكر الاعداء الذين قضوا على قرطاجة، وقاوموا كل فكرة سيادة واستقلال كامل لغيرهم من الشعوب. كما أنها بالاندفاع عينه الذي حمل مدن لبنان الى التوسع في البحر، اندفعت فبنت أساطيلها التجارية، وانبرت لتكون وسيطاً لتنسيق العلاقات الاقتصادية والثقافية بين شعوب حوض المتوسط. وهذا العمل انما هو تقاليد حضارة عريقة كان ينقلها معهم اللبنانيون فيتوارثونها جيلاً بعد جيل، مع توارث علومهم وصناعاتهم وطقوس عباداتهم.

أما تأثير وجود غاديرا خارج مدخل المتوسط، فقد كان عظيماً لصالح الفينيقيين، اذ هم كانوا يثيرون الرعب في نفوس البحارة الغرباء الذين يحاولون تجاوز أعمدة هرقل؛ بينما كانوا يتجولون بحرية بين الجزر الواقعة في الأطلسي، قرب الشواطىء : الى الشمال، غرب القارة الأوروبية، والى الجنوب، غرب القارة الافريقية.

وقد أطلقوا اسم جزر القصدير على جزر الى الشمال، كانو يجلبون منها القصدير والرصاص وسلعاً أخرى. ويرى بعض الباحثين أنها هي ذاتها الجزر البريطانية، وقد كان سكانها قبائل بدائية يعيشون على الرعي ويبادلون منتجاتهم بأواني الفخار وبالملح وبمصنوعات من البرونز، كان يحضرها معهم تجار الفينيقيين. وكان هؤلاء يحتفظون بطريق هذه الجزر سراً.

وكتب سترابو يصف سكان جزيرة غاديرا فقال : ” هذه الجزيرة لا تتميز بشيء عن غيرها الا بشجاعة سكانها في الملاحة، وبعلاقتهم بالرومان، مما أعطاهم دافعاً للنجاح في جميع الميادين. وقد غدت جزيرتهم الأكثر شهرة بين جميع الجزر، رغم كونها واقعة في نهاية الأرض.

لقد كان ثراء غاديرا مضرب المثل في العهد الروماني. ويبدو أن ثراءها، مع المستعمرات المماثلة لها، هو الذي كان ينعكس على المدن اللبنانية، تماماً كما ينعكس ثراء المهاجرين اللبنانيين اليوم على مدنهم وقراهم. وكان لصور النصيب الأكبر من ثروة هذه المستعمرات، حيث وصفها حزقيال في العهد القديم بقوله : ” تاجرة الشعوب الى جزائر كثيرة… كاملة الجمال، تخومك في قلب البحار… الواحك من سرو “سنير”… مقاعدك من عاج مطعم بالبقس، من جزائر “كتيم”… أشرعتك من كتان مصر الاسمنجوني، والارجوان من جزائر “اليشه”، جميع سفن البحر وملاحوها كانوا فيك ليتاجروا بتجارتك. عند خروج بضائعك من البحار أشبعت شعوباً كثيرة. بكثرة ثروتك وتجارتك أغنيت ملوك الأرض “. عاش حزقيال في أوائل القرن السادس قبل الميلاد. وبعد ذلك بسنوات فقط كتب عنها زكريا يقول : ” كوّمت الفضة كالتراب والذهب كطين الأسواق “. وذكر نوع تجار صور وروادها أشعيا عندما قال : ” صور المتوّجة، تجّارها أمراء، وروّادها نبلاء الأرض “.

شهد سترابو لمستعمرات صور الكثيرة، فكتب عن صور يقارنها بصيدا قائلاً : ” لئن كان اسم صيدا ورد كثيراً على السنة الشعراء، حتى أن هوميرس لم يذكر صور، فان لصور من المستعمرات المنتشرة في ليبيا، وفي ايبيريا، وبعد أعمدة هرقل ما يجعل لاسمها مجداً أكثر من جميع اشعار العالم “.

وهنا نتسائل بأية دوافع كان الفينيقيون يحققون هذا الانتشار في البلاد البعيدة ؟

وهل كانت الدوافع اقتصادية فقط، أم أنها كانت رغبة نفس جامحة من أجل تذليل الصعب وكشف المجهول ؟

حقاً ان النشاط الاقتصادي أمر أساسي في النشاط الحضاري. لكنه لا يحمل من المغريات ما يكفي لتحرير الانسان من قيود الأرض التي ولد فوقها، ومن جواذب المجتمع الذي يعيش فيه، لينطلق مع المجهول يبحث عن أرض جديدة ومجتمع جديد. ولم تكن الرغبة في الثراء الدافع الأساسي للبنانيين الأول في نزوحهم واستيطانهم البلاد البعيدة. فالدافع الهام الذي أطلقهم من أرضهم، هو الدافع الذي حرر الاوروبي وأطلقه للبحث عن المغامرة في آسيا وأفريقيا في القرنين الماضيين. وهو ذاته ما يدفع افراداً وجماعات من الشباب المعاصرين للانفصال عن مجتماعتهم، والتجوّل في بلاد العالم، دون أن يحملوا ما يكفي أود تنقّلهم وطعامهم.

انها روح البعل الكنعاني، روح السيادة على الطبيعة والرغبة في استكشافها؛ ففيها دوافع التجربة لقدرة الانسان. وهي بالتالي عملية تطهير للنفس بتحميلها المشاق أملاً بالوصول الى شيء أو مكان يرضي بوجوده ما في النفس من مشاعر وتوق لحل الغموض وامتلاك اسرار المجهول. وهذه الدوافع هي ذاتها التي تجعل العلماء والباحثين ينسون أنفسهم وعلاقاتهم مع عائلاتهم في سبيل متابعة بحث أو الوصول الى حل معضلة فكرية.

انها شراكة اللبناني مع البعل السيّد، في حكم العالم والسيادة على مجاهله وتحقيق الخصب فيه.

5- المغـامــرات البعيــدة

كانت شهرة الفينيقيين بالمغامرة والابتعاد في البحار مثيرة لمجموع العالم القديم. وعندما فكّر سليمان بن داود، الكنعاني الميول، بالنظر الى البعيد، كما ينظر اصدقاؤه أتباع “ايل” والبعل، وجد في بحارة حيرام ملك صور خير من يقود له سفنه. فقد كانت سفنه تذهب مع سفن حيرام، وتعود مرة كل ثلاث سنوات. ومثل هذه الرحلة الطويلة من ميناء ” عصيون جابر ” على البحر الأحمر، لم تكن تكتفي بأفريقيا، على ما يبدو. بل كانت طريق رأس الرجاء الصالح الطريق الأقرب لها الى أميركا الجنوبية. وحيرام الكبير العظيم لم يكن ليشترك ببحارته المجرّبين العارفين بالبحر لو أن الرحلة كانت تنتهي عند حد جلب المعادن والعاج من افريقيا. فهذه الرحلات ان لم تكن جميعاً تركت أثاراً في اميركا الجنوبية فان واحدة منها على الأقل، وفي زمن غير حيرام، تركت آثاراً هناك.

ويبدو أن الفرعون المصري ” نخاو ” الأول (609 – 594 ق.م. ) استطاع أن يدرك قيمة ما حققه الفينيقيون في أعمال البحر، بعد أن سمع عن بحارة حيرام على سفن سليمان. فهو بعد أن أتم حفر القناة الموصلة بين النيل والبحر الأحمر جهز بعثة استكشاف فينيقية، للدوران حول افريقيا، وللتثبت، على ما يبدو، من أنهم داروا قبل ذلك حول القارة. وقد انطلقت البعثة، دون خوف من الخرافات وأحلام الرعب، فاتجهت الى المحيط الجنوبي. وفي كل خريف كانت ترسي سفنها على شواطىء افريقيا، فتزرع الأرض هناك، وتنتظر زمن الحصاد لتحصل عندئذ على الحبوب التي تلزمها؛ ثم تعود الى البحر ثانية وتتابع سيرها. وقد قضت هذه البعثة سنتين حتى وصلت الى أعمدة هرقل، في مدخل المتوسط. وفي السنة الثالثة عادت الى مصر. وقد استنكر المؤرخ هيرودت أخبار هذه الرحلة عندما روى تفاصيلها. وسبب استنكاره كان ما ذكره البحارة من أن الشمس كانت، عند الظهر، على يمينهم، عندما بدأوا بالابحار غرباً في جنوب أفريقيا. واستنكاره ذاته كان الاثبات العلمي القاطع على حدوث الرحلة في أوائل القرن السادس قبل الميلاد. ولكن التنظيم الذي سارت عليه، واصطحاب البحارة للحبوب لزرعها وحصادها يثبتان أنها لم تكن العملية الاولى لبحارة لبنان الفينيقي، بل كانت نتيجة تجارب وخبرات طويلة.

وهذه الشهرة لهم دفعت أخت الامبراطور الفارسي داريوس الى الاعتماد على بحارة فينيقيين، من قرطاجة، ليصطحبوا ابنها ” ساتاسبس ” في دورة حول افريقيا، عقاباً له بدل الاعدام. ولكن من انّى كان لهذا الفارسي المرفّة ان يستمر فيكمل الطريق، وهو الذي لم يعرف عظمة المغامرة مع البحر، ولذة التغلب على المصاعب فيه ! فهو فضّل العودة، رغم خطر الموت. وقد عاد وقتل على يد احشويرش الذي رفض مسامحته.

وتأتينا بعد ذلك أخبار مسجلّة عن ملحمة من ملاحم المغامرة الفينيقية للانتشار والتوسع في بلاد جديدة. فقد طلب القرطاجيون من أحد ربابنة سفنهم المجربين أن يسعى لانشاء مستعمرات فينيقية جديدة خارج المتوسط، بعد أن ضاق هذا البحر بالشعوب التي بدأت تتنافس على شواطئه، وفي جزره. فهم كانوا يحسّون بمسؤولية القيادة العالمية آنذاك، تماماً كاحساس الاميركيين أو الروس المعاصرين، حين يخططون لاستثمار أعماق البحار، لخير الانسانية العام، أو يقومون باستكشاف مجاهل الفضاء.

لقد أبحر القائد حنون بستين سفينة كبيرة، مصطحباً معه فيها ثلاثين الفاً من السكان، الذين، ربما كانوا حصيلة حروب في أرض لبنان، وفي البلاد المجاورة له، في تلك الفترة. سار بالرحلة قرب شواطىء افريقيا الغربية، وأسس ست مستعمرات فينيقية. وعند مصب نهر ” دراع ” تصادق مع قبيلة من البدو، واصطحب معه من أفرادها بعض المترجمين. ثم أسس بعد ذلك مستعمرة ” سرني ” التي رجّح الباحثون أنها جزيرة ” هيرن ” الحالية، قرب مدار السرطان من الشمال. كما رجّح الكثيرون أن حنون كان بلغ الكاميرون. وهو أطلق أسماء على الأماكن التي مرّ بها، كما أسر ثلاث غوريلات، وسلخ جلودها. وهو كتب تقريره على لوحة برونزية، فترجم الى اليونانية بما يقارب 650 كلمة. وكان أول من وصف حياة الافريقيين ودقات طبولهم، ونيرانهم، وغاباتهم، وجبالهم. وقد حدث ذلك في القرن السادس قبل الميلاد، على الأرجح.

وفي الفترة نفسها التي قام فيها حنون برحلة الاستعمار هذه، كان بحّار فينيقي آخر، يخرج من المتوسط متجهاً الى الشمال ليستكشف ما لم يكن قد استكشفه بعد بحارة غاديرا ( قادش ). وهذا البحّار هو هملكون القرطاجي. وقد وصف جزر ايرلنده وانكلتره؛ ثم غامر في المحيط حتى بحر السرجاسو، كما يقدر بعض الباحثين، حيث تكثر الحشائش وتعيق سير السفن. وصف هملكون الرحلة، وكأنه عالم جغرافي معاصر لنا يعي المسؤولية التي يضطلع بها.

أما الدوافع المباشرة للنشاط الفينيقي خارح المتوسط فعلينا أن نبحث عنها في المضايقات التي كان يلقاها الفينيقيون آنذاك وقبله بقليل، من قوى الحرب في بلاد ما بين النهرين، حيث كان الكلدانيون حاصروا مدينة صور طوال 13 عاماً بدءاً من سنة 585 قبل الميلاد. وبمضايقة هذه المدينة بدأ النشاط الفينيقي يتقهقر، ويزداد من حانب آخر نشاط الاغريق في البحر، حيث استطاع هؤلاء أن يقهروا جميع الاساطيل التي كان جمعها الفرس لمحاربتهم في سلاميس سنة 480. كما لا ننسى القوة التي قهرت جيوش قرطاجة، في السنة نفسها في صقلية، رغم أن جيوش هذه بلغ تعدادها ثلاثمئة ألف محارب بقيادة هملقار الذي انتحر بعد هزيمة جنوده. فمثل هذه المضايقات للفينيقيين في المتوسط دفعتهم للبحث عن أرض جديدة في المحيط الأطلسي.

وعلى أي حال، فان الروح المغامرة للفينيقيين لم تبق مجرد تحركات لجماعة من الناس، شاءت أن تنتقل من مكان الى مكان آخر أفضل لها. انما هي نبض حضارة متعالية، كان يحرّك دماء شعب بأكمله ويوجّه أذهان بنيه، وفق نظرة فلسفية عالمية، لم تستطع امتلاكها بعدهم الا شعوب النهضة الاوربية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد، ثم شعوب القيادة في الحضارة الحديثة، منذ أواسط القرن العشرين عندما اتجهت بجرأة للمغامرة في الفضاء، دون حساب للتكاليف والمخاطر.

وان شعباً تاجراً وحسب، كالصفة التي يروق لبعض المؤرخين أن يدمغ بها الفينيقيين، أو شعباً هامشياً، لا يمكنه أن يقوم بمثل هذه المغامرات، ويركب هذه الأخطار، ان لم يكن يتمتع بدوافع عليا، وبروح قيادية رائدة، يسعى لتحقيق ذاته وابراز جوهره من خلالها.

ولا بد هنا من ايراد كلمة تقييم واعية قالها في الفينيقيين أحد الذين اطّلعوا على انجازات مغامراتهم البحرية، من خلال التاريخ. وهذا كان جورج سارتون، أحد كبار مؤرخي العلم المعاصرين. فهو رغم تحامله عليهم أحياناً، قال عند عرضه لرحلاتهم البحرية : ” ان هذه الرحلات البحرية تثير عنايتنا أكثر مما تثير دهشتنا… وهي أكبر أهمية من تأملات الاغريق في اللانهاية، أو في اللامنطقية الحسابية ” .

وخلاصة ما تفيدنا به حركة التوسع الفينيقي هذه هي انها كانت ذات اساليب وطرائق، تختلف عن جميع الطرائق التاريخية المألوفة لدى المستعمرين. فالفينيقيون لم يتخذوا الحرب والفتح وسيلة للاستفادة من خيرات البلاد الأخرى، بل كانت لهم فلسفة خاصة يتعاملون بها مع الآخرين، تختلف كل الاختلاف عن فلسفة الغزو والسيطرة بالقوة. ومن هنا، ومن الآثار التي تركها الفينيقيون في ثقافة من كانوا يتعاملون معهم، نجد أن غزوهم لبلاد المتوسط، ولشواطىء الأطلسي الشرقية كان غزواً ثقافياً علمياً تعاونياً، وليس غزو سلاح ونهب بلاد وثروات أرض.

وبهذه السلطة الثقافية، التي كانوا يصلون بها الى حيث تصل معاملاتهم التجارية، جنوا من العالم القديم ما لم تستطع ان تجنيه جميع قوى الحرب والدمار في الدول المحاربة الكبرى المعاصرة لهم.

ومثل هذا النجاح العظيم، الذي دام أكثر مما دام أي نجاح لشعب من الشعوب وأنجز من المستعمرات والمدن الكبرى والكشوفات، ما لم ينجزه غيره، كان يتطلب نظاماً اجتماعياً يرعاه ويحفظ توازنه. وهنا لابد من استعراض الملامح القليلة التي وصلتنا عن نظام الفينيقيين، لعلنا نستنتج تفسيراً لديمومة الازدهار في المدن الفينيقية، ومعنى عدم نشوء ثورات اجتماعية وعمليات اغتصاب للسلطة فيها. ولعل النهج الفينيقي في الادارة والتعاون والتعايش المسالم بين الشعوب يستحق الدرس، لاعادة النظر بمفاهيم علم الاجتماع وفلسفة التاريخ، أكثر مما يستحق مطالعته كتاريخ مضى وتجاوزه التطوّر.

أما النظام الفينيقي الذي كان يهيّء الفرصة أمام الأفراد للتعاون ويساندهم في رحلات الكسب ويدفعهم الى مغامرات الاستكشاف والانشاء فلم يكن سوى تشكّل للمشاعر الطبيعية التي كانت تتأتى عن أخلاقية العقائد الكنعانية نحو الكون ومركز الانسان فيه، ونحو البطولة وأعمال الابداع ومسؤولية القيادة.

Comments are closed.