lebanonism.com Rotating Header Image

جبران خليل جبران رائد التمرّد والثورة وقصيدة النثر العربية في الذكرى 125 لولادته

gibran7كوليت مرشليان

(…) وصرخ قائلاً: “إن هذا الرجل مجنون أيها الناس!” وما رفعت نظري لأراه حتى قبّلت الشمس وجهي العاري، فالتهبت نفسي بمحبة الشمس، ولم أعد بحاجة إلى براقعي. وكأنما أنا في غيبوبة صرخت قائلاً: “مباركون مباركون هؤلاء اللصوص الذين سرقوا براقعي!…

كلمات من جبران خليل جبران قد تشكّل أفضل البدايات للكتابة عن هذا الأديب اللبناني والعالمي الذي تبقى أعماله وبشكل خاص كتابه النبي خارج التصنيفات الأدبية لما تضمّنته من شعر وفلسفة وروحانيات وماورائيات واجتماع وسياسة وفانتازيا حلمية قريبة من الرؤيا وحب وطبيعة وموت وحياة وتمرّد وثورة وما وراء الحياة. كل هذا نستعيده ونعيشه من جديد في كل مرة نستذكر فيها جبران خليل جبران، الذي يبدو اليوم وفي كل ما تستعيده فيه المؤسسات الأدبية والفكرية في العالم، في ذكرى 125 عامًا على ولادته، حاضرًا ومتجاوبًا وفاعلاً مع واقعنا في كل ما كتبه.

جبران الشاعري والثائر والمجنون، جبران في روحانياته التي استقت من كل الأديان السماوية، فرفضت هنا وتجرأت هناك، وبنت صرحًا أو عالمًا خاصًا به جمع فيه كل من أحب وكل من أثّر به، حتى يخال للقارئ لأعماله أن كل من عرف جبران أو كل من أحبه أو عايشه وتلمّس مناخاته قد مسّته الآلهة وصار في منزلة مترفعة هي بين الأرض والسماء، أو بين الواقع والمتخيّل، أو في تلك الحديقة-الجنّة الفسيحة والعطرة التي بناها جبران على الأرض، وأثارت جدلاً فلسفيًا ودينيًا. وهذا يعود إلى قدرة هذا العبقري على الدمج الملتبس والغامض الذي أحدثه بين الواقع والدين، أو بين مناخات “سماوية” جعلها في كتاباته تسطع على الأرض في رغبة هائلة لديه لرؤية الإنسان على صورة الله. وقد تكون هذه هي النقطة الأساسية في كل كتابات جبران، تلك التجربة الإنسانية والكتابية المتفوقة لديه في خلق عالم روحاني على الأرض، وهو قطع قرنًا كاملاً على هذه الكتابات من دون أن تخسر هذه الأخيرة الرهان، أو لربما هو أكثر من رهان، هو حقيقة لمسها جبران وحاول أن يجعلنا نلمسها بدورنا.

ليس من قارئ لجبران خليل جبران في سنين مراهقته وبعدها في استعادات دائمة لأعماله إلاّ وتعلّق بأعمال الرجل، وبالبعد الروحاني والشعري الهائل لمؤلفاته التي تعطي إجابات على كل الأسئلة، من دون أن يعرف القارئ أن يحدد جوابًا منها. بل إن مجموع أعماله صرخة واحدة في وجه الإنسانية، صرخة هائلة، مدوية وأحيانًا هامسة وخافتة، تقول ولا تقول، تضع الإصبع على الجرح، تفتح أبوابًا موصدة، تحاكي المجهول والخفي والغامض، تسرح في الحقول الشاسعة، تقطع الدروب الوعرة وتمضي وتمضي معه نحو أفق لامتناهي. وكأن جبران، في كل ما كتبه، حاول أن يشرح للقارئ كل أحاسيسه وأفكاره حيال الكون والحياة والخالق، كذلك كل مشاعره القوية تجاه الإنسان على الأرض. فكل إنسان أو كل شخصية كتب عنها جبران أو وصفها، قد أضفى عليها مسحة ربانية، وصاروا كلهم معه في “حديقة النبي” تلك التي تقع على تخوم أرض الواقع.

غابات الأرز

وإذا كانت الأرض التي ولد فيها جبران، وبالتحديد بلدته بشري الشمالية القريبة من غابات الأرز في لبنان، قد جعلت الفتى الصغير يتعلق بجماليات طبيعتها، فهي أيضًا علمته الثورة والعصيان والتوق إلى الحرية في خضم الأحداث التي شهدتها في الحقبة الزمنية التي ولد فيها جبران تمامًا، كالتي عاشها الوطن في كل جهاته من فقر وحروب وصراعات داخلية واحتلالات نمّت لديه روح التمرّد وحب التغيير.

ولد جبران خليل جبران في السادس من كانون الثاني من العام 1883 في بشري، وشهدت المنطقة في تلك الحقبة من الحكم العثماني صعوبات معيشية، وكان أصعبها على عائلة جبران، المؤلفة من أربعة أولاد، حين أدخل الوالد إلى السجن لجرم سرقة لم يرتكبه. لكن ذلك لم يجعل الوالدة كاملة رحمة تغيّر رأيها في أن ابنها الفتي جبران “عبقري” أو “ليس كسائر الأولاد”. وهذا الإصرار لدى والدته لم ينبع من أوهام بل من تفاصيل وإنجازات إبداعية كان يقوم بها الولد جبران المحاصر بالفقر والسابح في عالم آخر داخل رأسه وقلبه. وهذا التعلّق العاطفي أو التواطؤ الجميل ما بين جبران الصغير وأمه كان أجمل البدايات لعواطف الرجل الذي آمنت به تلك المرأة الذكية، وهي أصرّت على فتح الأبواب أمامه، حتى أن قرار الهجرة إلى أميركا كان لسببين، ثانيهما تأمين لقمة العيش للعائلة، وأولهما أن يكمل جبران تعليمه. وما بين لبنان وبوسطن وباريس ونيويورك بدأ جبران الكتابة، ولكن كان هناك دومًا ظل المرأة وراءه، وسرعان ما تغيّرت المرأة من دون أن يتغير وقعها عليه، من والدته انتقلت شرارة الحب والرعاية إلى ماري هاسكل. وحين تزوّجت الأخيرة، اكتفى برسائل الأديبة الصديقة مي زيادة التي لم يلتقها في حياته لكنها ساندته من البعيد، وأيضًا كانت هناك صديقته بربارا يونغ وأخته مريانا وغيرها من النساء اللواتي خلدهن في رسوم حاول من خلالها، وعلى ملامحهن، أن يرسم وجه الإنسانية.

سبر الأغوار

وفي الذكرى الـ125 لولادة جبران لا يسعنا إعادة الحديث والكتابة عن حياته وظروفها، أو عن مؤلفاته وتأويلاتها المتداولة منذ قرن، لكن ثمة ما تبدّل في نظرة العالم إليه، وهي خطوة باتجاه سبر أغوار عالمه وأسلوبه الكتابي السهل الممتنع. كذلك ينظر النقاد اليوم إلى رسومه بشكل مختلف. فحين كان الأمر مجرد دراسة تقليدية في بادئ الأمر، بالنظر إلى أسلوبه في رسم الجسد الأنثوي أو الذكوري، كانت الاعتبارات مختلفة كمثل تجاهله لتفاصيل دقيقة في تقنيات رسم العري، لكن الأمر بات مختلفًا اليوم مع تطوّر النظريات التشكيلية المنفتحة على كل الأساليب، وما كان مرفوضًا أو موضع نقد صار يشكل سؤالاً جديدًا في فهم عالم جبران: كل هذا العري الذي رسمه جبران، ما كان معناه؟ لماذا تبدو بعض الأعضاء منقوصة أو مبهمة أو باهتة؟ هل تعذّر على جبران اتقان العري أكثر أم أنه تقصّد جعل بعض النقاط في الجسد بارزة أكثر من غيرها، أو مشوشة، أو حتى مبتورة؟ ومن دون شك، أن جبران التلميذ الباريسي في أبرز المعاهد قد رسم العري الكلاسيكي بكل التقنيات غير أنه اختار العري الطالع من قصائده ومقاطعه النثرية الخلابة، حيث الجسد جزء من الطبيعة اللصيقة بالإنسان. والعري مع جبران حقيقة، نافذة على الحقيقة، أو في لوحات أخرى هو كل الحقيقة المشرعة الأبواب. جرّد جبران كل شخصياته في رسومه من لباسهم، وجعلهم يرتدون عريهم المقنع، أي وكأنه رسم العري فوق الآخر الأعمق والأشد التصاقًا بالروح. وكلّما توضح العري، وغاب الضباب عنه، تلمس الحقيقة أكثر. وكأن كل شخصية عارية في رسومه هي أيضًا نتيجة تشكّل لعناصر الطبيعة في جنونها وعواصفها، أو في أنقى حالاتها، حيث تختلط الرياح بالرمال بالماء بالضوء، لتظهر رؤيا عارية مجردة، فتظهر أيضًا الوجوه الجبرانية باهتة ساكنة وكأنها بين الحياة والموت، أو في بعد آخر بين الألوهة والطبيعة البشرية: كلهم رسمهم على هذا النحو من أفراد عائلته في بشرّي إلى أصدقائه وحبيباته في بوسطن ونيويورك، ما يعني أن جبران بقي في كل تنقلاته خارج الزمان والمكان مقفلاً على التأثيرات الخارجية حين هو ينظر إلى كل إنسان عايشه نظرة ميتافيزيقية وفلسفية صرفة.

يختبر الحزن

عاش جبران ليرسم ويكتب لكنه لم يعش طويلاً: 48 عامًا فصلت الطفل المدهوش بالكون عن الحقيقة التي لمسها مع رحيله. رحلة عاشق للحياة والطبيعة والإنسان تخللتها المآسي والأحزان، في فقدانه، أولاً، لمعظم أفراد عائلته بمرض السل، وصولاً إلى غربته عن الوطن. وفي المرحلة الأخيرة عزلته بعد إصابته بالمرض. ولكن في كل هذا، كان جبران يختبر الحزن في معانيه الإنسانية ويختبر الموت ورحيل من يحب، جاعلاً كل تلك التجارب تعمّق إحساسه أكثر بالحياة، تمامًا اختبر بنفسه معنى الصلب في صغره حين وقع وهو في العاشرة من عمره عن صخرة عالية في قريته وكسر كتفه ما جعل الأطباء يقررون تركه في وضعية الصلب شهورًا عديدة ليلتحم الكسر، وهذه الحادثة تركت أثرها في نفسه، خصوصًا حين كتب يسوع ابن الإنسان.

النبي

أما كتابه النبي الذي كان حلم حياته طوال سنوات، فكان خلاصة تجربة فلسفية ودينية وأدبية عميقة. لكن ثمة سؤال ظلّ يؤرق النقّاد ولا زال يطرح حتى اليوم ويتعلّق بتصنيف النبي: هل هو شعر وأدب؟ هل هو فلسفة؟ هل هو دين أو ما يقارب الدين؟ كل هذا يُطرح حول ألغاز الكتاب ومناخاته وشخصياته الملتبسة ما بين أرضية وسماوية وأمكنته الملتبسة كذلك معانيه. لكن ما تأكد حول النبي هو ذاك الإجماع على روعة كل ما قاله جبران، وما رمز إليه في شخصيات الكتاب، من “المصطفى” إلى “المطرة” وغيرهما، وفي رائحة البخور التي تفوح منه. وهو إن تحدث بلغة الأنبياء، وإن بحث في الماورائيات، فإنما بقي في الواقع وفي حضرة الإنسان، ذاك الإنسان بطله الأول والأخير، وأيضًا ذاك الشرق: “وصوب الشرق أبحرت السفينة”، سفينة النبي الذي عاد إلى مهد فلسفته وحضارته وديانته وإيمانه بعد أن نطق بكل ما نطق في الكتاب.

وإذًا، وجهة “نبيّه” صوب الشرق. فجبران وقع تحت سحر الشرق، وبالتحديد تحت سحر وطنه وطبيعته، حيث ارتبطت روحانياته بتلك البقعة الطبيعية، فأبدع في مزج المشهدية الطبيعية بصورة الخالق وبالتواصل معه. في رسالة إلى ماري هاسكل كتب:

لقد هبّت العاصفة الرهيبة التي كنت أنتظرها. السماء ملبّدة، والبحر مزبد وأرواح الآلهة المجهولة تطوف بين السماء والبحر…

 ما الذي في العاصفة يهزّ كياني على هذا النحو؟ لمَ أجدني أفضل وأقوى وأكثر ثقة بالحياة عندما تهبّ عاصفة؟…

وكان جبران يعترف بضعفه أمام وطنه تمامًا كما كل إنسان له ضعفه وحبه وانتماءاته. وتلك البقعة، التي عاش فيها طفولته، بقيت هي الأساس في رأسه وأحلامه وتخيلاته: وحين كان يكتب في مواضيع فلسفية وما ورائية عامة، بقيت المشهديات في رأسه هي هي: من بشري إلى بعلبك إلى الهرمل، حيث عمل والده في مزرعة هناك إلى الساحل، واكتشافه المذهل للبحر وكان ولدًا يافعًا، إلى سحر غابات الأرز المجاورة لمسكنه: تلك الطبيعة الخلابة في جبال لبنان فترة نهايات القرن التاسع عشر نُقشت نقشًا في قلب وذاكرة جبران، وهو استخدم كل المفردات النابعة من الحياة القروية مئات، بل آلاف، المرات في كتبه، وكأنها الخلفية الصورية الراسخة لكل فكره: المراعي، الرياح، الضباب، السواقي، الشمس، العواصف، الغابات، البيادر، الحصاد. حتى أنه أخضع، بجماليات جامحة لا تقاوم وبسحر في الكتابة، كل موضوعاته الفلسفية الدنيوية والسماوية إلى علاقة الانسان بالأرض والطبيعة، وكأن الولادة زرع وحصاد، والموت والقيامة بيادر قمح تندثر وتعود مع كل موسم. صحيح أن كتابًا وشعراء كثرًا كتبوا في هذا الاطار، لكن ثمة ما يميز جبران. وقد نجد الإجابة في مقالة شهيرة له عنوانها لكم لبنانكم ولي لبناني. ومن دون شك أن ما رآه جبران في لبنانه، وبشكل خاص في ذاك “الوادي المقدس” في قاديشا، قد مسه وترك أثرًا جليًا فيه.
فجبران رأى دومًا ما وراء الأشياء وما وراء الوجوه، لذا هو عرف دائمًا أحبابه وأصدقائه، وكل النساء اللواتي رسمهن أو أحبهن نفذ إلى أعماقهن بنظرة، بكلمة أو برسالة.

ماري هاسكل

وتبقى علاقته بماري هاسكل من أشف العلاقات العاطفية التي سجلتها للتاريخ الرسائل أو بالتحديد أدب الرسائل. تلك المرأة، التي أحبت جبران وآمنت بموهبته وعبقريته، لم تكن امرأة عادية. على الأقل في نظر جبران المولع بحبها. وما من مراسلات أدبية في العالم أحدثت الوهج الذي أحدثته مراسلات جبران وماري هاسكل التي تعد بالمئات، وتختصر الحب والحياة والألم والمعاناة والرجاء، كما تختصر أحداث حياة تضج بالحركة والابداع: لم يترك موضوعًا إلا وناقشه معها، لم يترك إحساسًا إلا ووصفه لها بقلب نابض وبمخيلة مشتعلة بالأفكار والصور. وأجمل ما في هذه الرسائل ذاك التواطؤ الخفي بينهما وعلى خلفية الحب الهائل والخامد، لتمرير الفرص فيما بينهما لجعل كل واحد يطلق العنان لنفسه ويقول كل ما في داخله إلى آخر رمق. وكل رسالة كتبها جبران لهاسكل كانت على مقدار من الزخم والاندفاع لتبدو وكأنها الأولى أو الأخيرة. بهذا الدفق الجارف استمر جبران سنوات طويلة يكتب ويكتب لماري وكأنه يحادث نفسه، ما يجعل القارئ يتساءل حول تلك المرأة التي، وعلى الرغم من رفضها الزواج به، وعلى الأرجح بسبب فارق العمر بينهما (كانت تكبره بعشر سنوات)، وأيضًا على الرغم من زواجها المتأخر من آخر؛ استمرت تكتب لجبران وكأنها تحادث روحها، وكأنه ليس في الأمر خيانة بل مجرد روحين تتلامسان وتتواصلان خارج حدود الزمان والمكان.

وإذا كانت مؤلفات جبران قد بهرت قرآءه فقد كان لتلك الرسائل وقعها لما فتحته من آفاق جديدة في فهم حميميات ذاك الكاتب، من حميميات عواطفه إلى حميميات أفكاره ومسودات أفكاره الدولية التي سبقت كتابة المجنون والعواصف والنبي والمواكب وغيرها من المؤلفات.

في متحف جبران

والكتابة عن جبران تشبه، إلى حد ما، الشعور الذي تتركه الزيارة إلى متحفه الخاص في بشري. ذاك الشعور الهائل بالامتلاء والوحي إلى حد الفيض من دون ادراك كلمة لتصف المشهدية: كلهم هنا في لوحات رسمها: أفراد عائلته، أصدقاء، كتاب، حبيبات. ولكن هل هم كذلك اليوم في وجودهم الملتبس داخل تلك الصومعة الروحية؟ وهل التقاهم جبران بعد رحيله عند تخوم الحقيقة التي سعى طوال حياته لادراكها؟

تلك الحقيقة التي بحث عنها في الكتب والأديان وفي الواقع والحياة وفي ما وراء الحياة ،وادرك بعضًا منها عبر بحثه في الايمان بالخالق والطبيعة والقيامة ورحلة الروح المجهولة:

أيتها الغمامة، يا أختي الغمامة
أنا وأنت الآن شيء واحد
لم أكن ذاتًا منذ وقت طويل
الجدران انهارت
والسلاسل انكسرت
وأنا ارتفعت اليك
وسنبحر معًا إلى أن يأتي يوم الحياة الثانية
عندما يلقيك الفجر قطرات ندى في حديقة
ويقذف بي طفلاً في حضن امرأة…

لم يكن رحيل جبران نهائيًا عن هذه الأرض التي أحب، وحياته القصيرة نسبيًا كانت خصبة وغنية وكأنه عاش ألف عام. وفي قصيدة نثرية، يعتبر بها وبسواها رائد القصيدة النثرية المبكر، بعنوان جمال الموت كتب:

دعوني أنم، فقد سكرت نفسي بالمحبة، دعوني أرقد، فقد شبعت روحي من الأيام والليالي…

يوم مات جبران 10 نيسان 1931 كتبت صحيفة نيويورك صان الأميركية: “مات نبي”، ويوم وصل جثمانه إلى لبنان في 20 آب 1931، استقبلته الحشود من بيروت إلى بلدته في موكب تاريخي. 125 سنة على ولادة جبران كانت ذكرى كافية، منذ بداية هذا العام، لاستعادة عالمه ما بين لبنان وباريس وأميركا حيث عاش وكتب ورسم ومات. وقيل ويقال الكثير طوال هذه السنة التكريمية له عبر مؤتمرات وندوات وأعمال مسرحية ومعارض لرسومه وإعادة طباعة كتبه ومؤلفاته، ومع كل هذا يستمر لغز جبران ولغز كتابه النبي الذي بقي يختمر في وجدانه طيلة عشرين عامًا قبل أن يدونه عام 1923 لتبلغ مبيعاته، بعد سنوات عشرات، ملايين النسخ حول العالم، وبأربعين لغة.

وفي عمق المعنى الخاص بكتاب النبي قد يعثر القارئ على معاناة الكاتب في انجاز هذا المؤلف الذي، وإن جاء على نبرة تأملية، فهو يحفل بالمجاز والرموز والخفايا، لذا يحرض دومًا على قراءته. وفي هذا الاطار، كتب وقال على لسان نبيه:

وإن جاءت كلماتي هذه غامضة على أفهامكم فلا تسعوا وراء ايضاحها، فإن الغموض والسديم هما بداءة كل شيء لا نهايته.
وقد يكون أجمل ما في كتابات جبران ذاك الشغف بتقصي المستقبل وفهمه وكشف الأسرار وتلمس وجه الحقيقة بيديه، لذا هو ربما رسم كل شخصياته عارية أمام وجه الحقيقة بأجساد مقبلة على المجهول وبأيد مفتوحة على المغامرة وشغف الآتي، أي على صورته تمامًا. وكما عاش كل حياته: زاهدًا في ما سيأتي ناسيًا “ما قد مضى”.

سيرته

1883: ولد جبران خليل جبران في 6 كانون الثاني في بشري، شمال لبنان، وهو الولد البكر لخليل جبران وكاملة رحمة. وله شقيق يدعى بطرس من زيجة أولى للأم سافرت على أثرها إلى البرازيل مع زوجها وعادت بعد سنة أرملة مع طفلها، وله أختان: سلطانة ومريانا.

1888 – 1894: تلقى تعليمه في مدرسة الخوري جرمانوس التابعة لدير مار ليشاع حيث درس العربية والسريانية، وتأثر بالطبيعة الشمالية وبخاصة غابة الأرز المجاورة.

1891: سجن والده على اثر اتهامه باختلاس أموال الدولة العثمانية، وكان الأخير يجبي الضرائب وتعرّض لسرقة كلفته تفكك أسرته وهجرتها.

1892: في التاسعة من عمره، سقط جبران عن صخرة عالية فانكسر عظم كتفه، وصلب على خشبة بضعة أشهر ليشفى، واكتشف عبر هذه التجربة معنى الصلب وأبعاده.

1895: هاجرت العائلة في 25 حزيران من مرفأ بيروت باتجاه الولايات المتحدة الأميركية وتحديدًا إلى بوسطن. التحق جبران بمدرسة في أوليربليس وسرعان ما اكتشفت مدرسته جيسي فيرمونت موهبته الفذة، فعرفته إلى المصور فريدهو لنداي ليطلقه في عالم الرسم.

1896: بدأ جبران يعمل بجدية على الكتابة والرسم وأبهر من حوله. وفي معرض لداي تعرّف إلى جوزفين برستون صارت نموذجًا لعديد من لوحاته.

1898 – 1902: عاد إلى بيروت والتحق بمدرسة الحكمة ليعمق دراسته للعربية، على يد الخوري يوسف الحداد، وأسس مع زميله يوسف الحويك مجلة المنارة.

1902: عاد إلى بوسطن ليفجع بموت أخته سلطانة وبعدها والدته.

1903: بدأ بنشر مقالات أدبية وفلسفية بعنوان دمعة وابتسامة في جريدة المهاجر لصاحبها أمين الغريب.

1904: تعرّف إلى ماري هاسكل التي تبنت موهبته وأرسلته ليتابع تعليمه وتخصصه في الرسم.

1905: نشر كتابه الموسيقى.

1906: نشر عرائس المروج.

1908: المرحلة الباريسية: درس جبران الرسم واستمر في كتابته فنشر الأرواح المتمردة، والتقى في باريس كبار الفنانين أبرزهم النحات رودان.

1910: عاد إلى بوسطن وعرض على ماري هاسكل الزواج فرفضته لأنها تكبره بعشرة أعوام وبقي على حبه لها حتى مماته، وتبادل معها آلاف الرسائل.

1911: انتقل إلى نيويورك حيث بقي حتى مماته. وهناك بدأ بطباعة كتبه ومؤلفاته.

1912: أرسلت له الأديبة اللبنانية ميّ زيادة مقالة نقدية حول كتاب له ومنذ ذلك الحين، بدأ بمراسلتها ورسالتها الأخيرة له كانت قبل أيام قليلة من موته. وكتب الأجنحة المتكسرة.

1914: قرأ نتشيه وتأثر به وعلى أثر ذلك كتب العواطف فيما بعد وأقام معرضًا لرسومه برعاية هاسكل في قاعة “مونتروس”.

1915: بدأ كتاباته التي تناقض نظرية نتشيه متجهًا أكثر صوب الصوفية.

1918: كتب المجنون.

1919: كتب المطولة الشعرية المواكب.

1920: أسس، انطلاقًا من بيته في نيويورك، “الرابطة القلمية” وانتخب عميدًا لها، وضمت أبرز شعراء وأدباء المهجر اللبنانيين، وكتب السابق.

1923: كتب البدائع والطرائف والتائه، ومنها انطلق في الكتابة بالإنكليزية التي توجها بثلاثية أولها النبي.

1928: صدر له يسوع ابن الانسان بالإنكليزية.

1930: كتب حديقة النبي بالإنكليزية أيضًا.

1931: أصيب جبران بمرض في كبده أقعده فترة قصيرة، ثم ما لبث أن فارق الحياة في العاشر من نيسان.

في 31 آب نقلت رفاته إلى لبنان، ودفن في دير مار سركيس في بشري حسب وصيته. وأوصى بماله ومستنداته المالية إلى أخته مريانا، وبكل ما في محترفه من رسوم ولوحات إلى ماري هاسكل على أن ترسل بعضها إلى لبنان إذا أرادت ذلك، وبريع مؤلفاته لقريته بشري.


أعماله
ترك جبران خليل جبران 16 كتابًا مكتوبًا بالعربية والإنكليزية، والمئات من الرسوم التي نشر بعضها في مؤلفاته. له بالعربية:

• الموسيقى
• عرائس المروج
• الأرواح المتمردة
• المواكب
• الأجنحة المتكسرة
• البدائع والطرائف

أما مؤلفاته باللغة الإنكليزية فهي:

• المجنون
• السابق
• رمل وزبد
• التائه
• حديقة النبي
• آلهة الارض
• النبي
• يسوع ابن الانسان.

*** *** ***
المستقبل، الثلاثاء 22 نيسان 2008، العدد 2941، ثقافة وفنون، صفحة 18.

 

 

Comments are closed.