lebanonism.com Rotating Header Image

مارون صالحاني – مغارة مار منصور

مارون صالحاني

أن تقول قبل الحرب إنّك تلميذ في مدرسة مار منصور قرب مبنى السيتي- سنتر في وسط العاصمة، فذلك كان يجعل محدّثك “يشهق” صارخاً وقد أضيئ وجهه دهشة وفرحا : “المغارة”… مغارة مار منصور!

هل تذكرون؟

كاتب هذه السطور كان تلميذا في مدرسة مار منصور منذ العام ١٩٦٩ ولغاية العام ١٩۷٤. المدرسة يومها كانت للفقراء والمعوزين وبإدارة جمعيّة مار منصور الخيرية التي أناطت وقتها الشق التربوي بأخوة المدارس المسيحيّة – الفرير.

ذكريات كثيرة طبعت طفولتي، تلك التي ارتبطت بسنيني الإبتدائيّة، وتحتاج حتماً إلى مجلّدات لأخبر عنها.

لكنني سأكتفي حصراً بالتحدث عن مغارة مار منصور (موضوع المقالة).

تحت الكنيسة – كنيسة المدرسة – وفي الطابق السفلي، صالة السينما، وكانت عبارة عن شرشف أبيض مسدول… كان الأخ Barthélemy (وكنا نناديه Cherfrère ولم نفقه وقتها أنّ التسمية كانت كلمتين Cher Frère ) يعرض علينا ما تيسّر من الأفلام (بالأبيض والأسود) كلما كان يغيب أحد الأساتذة.

الطقس عينه تواصل… طيلة العام الدراسي. كان يتوقف في شهر كانون الأول ولسبب واحد: عرض المغارة

مقابل ربع ليرة، 25 قرشا فقط لا غير، كان يمكن الحصول على بطاقة دخول…ولتلامذة المدرسة كان الدخول مجانيا طبعا. كنا نجلس على كراسينا امام مجسم ضخم لمغارة بيت لحم… وترانيم الميلاد تصدح… وفجأة يسطع البرق، ثم تدوّي اصوات الرعد، وينهمر المطر غزيراً وتتفجر الينابيع… بعدها تتلألأ نجمة الميلاد، فيُضاء الاسطبل الذي “لجأت اليه العذراء مريم وخطيبها يوسف” بنور قوي مُعلناً ولادة المسيح…فتبدأ مواكب الملوك المجوس، الرعيان مع قطعانهم، اهالي بيت لحم… بالتوجه (على سكك حديدية مخفية) الى المغارة لمعاينة الحدث وللسجود امام الطفل- الاله، الذي بحركة من يده كان يبارك الجميع…

مشهدية رائعة كانت تدوم 10 دقائق، تجري احداثها بتناغم تام مع المؤثرات السمعية-الضوئية التي كانت تتركنا في حالة ذهول…

تكنولوجيا المغارة شكلت حدثاً يومها. صممها ونفذها الراحل ألبير خياط وكان يشرف بنفسه من الكواليس على “تشغيل” تقنياتها الفريدة، وهو الذي كان يرأس جمعيات مار منصور الخيرية لحين وفاته العام 1961.

جيل اليوم الذي اعتاد على تقنيات البعد الثالث، وعلى التكنولوجيات الرقمية المذهلة لا يستطيع فهم دهشتنا تلك وذهولنا امام تلك المشهدية الرائعة. كنا في زمان الوقت يمر فيه ببطء…جهاز التلفاز كان عبارة عن قطعة اثاث مركونة في المنزل لحين بدء البث قرابة السادسة والنصف مساء… بالابيض والاسود. نحن جيل كان ينتظر مثلا عيد الاستقلال ليستمتع بـ “يوم تلفزيوني طويل”، مناسبة كانت تشكل الفرق، كل الفرق في رتابة وجودنا اليومي.

22 كانون الاول 2009، أضيئت مغارة مار منصور مجدداً. الكنيسة مهدمة، والخطوة الاولى على طريق ترميمها جاءت من قبل جمعية مار منصور، ومن قبل جمعية Patrimonium للمحافظة على التراث الكنسي والديني، ممثلة بشخص رئيسها الدكتور انطوان سعاده والتي تكفلت بالتجهيزات وبإقامة مغارة الميلاد على انقاض الكنيسة، وقد جاء المشهد سوريالي.

حضور كثيف، شخصيات رسمية (الوزير السابق ميشال اده، النائب نديم جميل…)، جوقة الآباء اللعازاريين خدمت رتبة تكريس المغارة. كلمة جمعية مار منصور ألقاها رئيسها الاستاذ البير زغبي، الخ…

إلى جانبي وقف “بخشوع” الفنان المسرحي سامي خياط، نجل الراحل ألبير خياط مصمم المغارة التاريخية… والزميل فاروق عيتاني الذي ابى الا ان يشارك بالرتبة وقد حمل شمعة مع المصلين…

في تلك اللحظات عدت بالزمن الى ذلك الطفل الذي كان يركض في ارجاء ملعب المدرسة… تذكرت اساتذتي وبالاخص الاستاذ هنري هرمس…ورفاق طفولتي، وبينهم سمير سنوّ الذي فوجئت سعيداً به ذات يوم يطرق باب منزلي بعد الحرب في التسعينات…اي بعد 17 سنة على فراقنا… جاء للاطمئنان على رفيقه على مقعد الدراسة.

هذا ما نجحت به مدرسة مار منصور، المغارة… والافتتاح كانت لتتابع هذه المسيرة.

One Comment

  1. مرحبة ومحبة
    نحن جمعية في محردة سوريا اسمنا جمعية اصدقاء المغتربين نرغب بحضور ذكرى جبران في بشري اذتكرمتم اطلاعنا على برنامج وتوقيت الاحتفالية
    ولكم كل التقدير

Leave a Reply